أسطورة جلجامش

29

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

جلجامش، وهو ملك تاريخي لدولة الوركاء السومرية، وبطل مهم في ميثيولوجيا بلاد الرافدين القديمة وهو بطل ملحمة جلجامش، وهي قصيدة ملحمية كتبت بالأكدية خلال أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، وقد أصبح جلجامش شخصيةً هامة في الأساطير السومرية خلال وجود سلالة أور الثالثة وقد رُويت حكايات عن مآثر جلجامش البطولية في خمس قصائد سومرية ناجية، وكان جلجامش يساعد الإلهة إنانا ويطرد المخلوقات التي تزعج شجرتها الحلبو، وتعطيه إنانا شيئين غير معروفين يطلق عليهما ميكو وبيكو، لكن جلجامش يضيعهما، وبعد موت إنكيدو، يخبر طيفه جلجامش عن الظروف الكئيبة في العالم السفلي، وتصف قصيدة جلجامش وأغا ثورة جلجامش ضد سيده الأعلى الملك أغا، وتروي قصائد سومرية أخرى هزيمة جلجامش للوحش خومبابا وثور السماء وتصف قصيدة خامسة مشوهة جدا موت جلجامش وجنازته، فكان جلجامش هو ملك أورك، الوركاء الذي كانت والدته إله خالدا ووالده بشرا فانيا ولهذا قيل بأن ثلثيه إله والثلث الباقي بشر، وبسبب الجزء الفاني منه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالدا.

تجعل الملحمة جلجامش ملكا غير محبوب من قبل سكان أورك حيث تنسب له ممارسات سيئة منها ممارسة تسخير الناس في بناء سور ضخم حول أورك العظيمة، وقد ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل من الطين وحي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات، أي أنه كان على النقيض تماما من شخصية جلجامش، ويرى بعض المحللين أن هناك رموزا إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن الذي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجيا بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصية أنكيدو، وكان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش، فأمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها وبهذا تبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضا ومدنيا، وقد حالف النجاح خطة الملك جلجامش، وبدأت خادمة المعبد وكان اسمها شمخات.

وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار بتعليم أنكيدو الحياة المدنية ككيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أزواجهن ولما عرف أنكيدو بهذا قرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة ليجبره على ترك تلك العادة، ويتصارع الاثنان بشراسة فهما متقاربان في القوة، ولكن الغلبة في النهاية كانت لجلجامش، حيث اعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح الاثنان صديقين حميمين، ويحاول جلجامش دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالدا فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة، وهو مخلوق ضخم وقبيح اسمه خومبابا، ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كان المكان الذي تعيش فيه الآلهة ويعتقد أن المكان المقصود هو غابات أرز لبنان، ويبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس الذي كان أيضا إله الحكمة عند البابليين والسومريين وهو نفس الإله الذي نشاهده في مسلة حمورابي المشهورة وهو يناول الشرائع إلى الملك حمورابي.

وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه متخوفا من فكرة قتل حارس الغابة يطمأن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة، وعند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها فيقترب منهما حارس الغابة خومبابا ويبدأ قتال عنيف ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو حيث يقع خومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه ولكن توسله لم يكن مجديا حيث أجهز الاثنان على خومبابا وأردياه قتيلا، وأثار قتل حارس الغابة غضب إلهة الماء أنليل حيث كانت أنليل هي الآلهة التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة بخومبابا، وبعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعتبر وحشا مخيفا يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الآلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضبا شديدا فتطلب من والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو يتمكن من الإمساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله.

وبعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقا مقدسا فيقرر الآلهة على قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة فيبدأ المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد فترة، وبعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أورك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات، بالإضافة إلى حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو وكان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لابد من أن يموت يوما لأنه بشر والبشر فان ولا خلود إلا للآلهة، فبدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية، لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعتبره البعض مشابها جدا أن لم يكن مطابقا لشخصية.

نبى الله نوح هليه السلام في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام، وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الإلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش والتي تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن المأكولات ويلبس أحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيدا بما يملك لكن جلجامش كان مصرا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الطوَّاف أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود، وعندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جدا بقصة طوفان نبى الله نوح عليه السلام، وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود، وبعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا، إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا.

دون أن يغلبه النوم لمدة ستة أيام وسبعة ليالي فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إيجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود، وهنا تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود، فيغوص جلجامش في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون وهى البحرين حاليا، ويتمكن من اقتلاع العشب السحري، وبعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أورك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أورك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه أن عملا ضخما كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد اسمه، وفي نهاية الملحمة، يموت جلجامش ويحزن سكان أوروك عليه حيث أنهم يعلمون أنه لن يأتي حاكم مثله أبدا.

وبالفعل بقي اسمه خالدا حتى يومنا هذا، وهذا هو الخلود المعني من هذه الاسطوره انه خلود الاعمال وليس الاعمار فكم من البشر قد طالت اعمارهم ولم نذكر منهم احد واخرين كانت اعمارهم قصيره جدا ولكن خلد التاريخ أسمائهم في لوحات من النور مازالت تشع اضوائها حتي يومنا هذا، ويتفق معظم المؤرخين الكلاسيكيين على أن ملحمة جلجامش أثرت تأثيرا جوهريًا على كل من الإلياذة والأوديسة، وهما قصيدتان ملحميتان كُتبتا بالإغريقية القديمة خلال القرن الثامن قبل الميلاد، وتوصف قصة ميلاد جلجامش في حكاية طريفة موجودة في كتاب عن طبيعة الحيوانات الذي ألفه الكاتب الإغريقي إليان في القرن الثاني بعد الميلاد ويروي إليان أن جد جلجامش وضع أم جلجامش تحت الحراسة لمنعها من الحمل، لأن وسيط الوحي أخبره أن حفيده سيطيح به، وحملت أم جلجامش، ورمى الحراس المولود من البرج، إلا أن نسرا ينقذ الطفل في منتصف السقوط ويوصله بسلام إلى حقل، حيث يربيه البستاني، ويتفق معظم المؤرخين أن جلجامش كان ملكا تاريخيًا لدولة الوركاء السومرية، وكان ملكا من قبل الملك إين مي باراكي سي الكيشي، وهو شخصية تاريخية معروفة والذي قد يكون عاش خلال فترة حياة جلجامش.