الانتماء للوطن وقيّم المواطنة.. ودور الأسرة في ترسيخهما وتعزيزهما في نفوس أبنائنا

11

الانتماء للوطن وقيّم المواطنة.. ودور الأسرة في ترسيخهما وتعزيزهما في نفوس أبنائنا

 

بقلم: د. طراد علي سرحان الرويس

 

أخر المشاركات

لماذا نمشي ؟؟؟؟

حتي ولو لم يستحق

تقوم الأسرة منذ بداية ميلاد أبنائها على تزويدهم بالقيّم والمبادئ التي تساعدهم على التكيّف مع المجتمع والمحيط الخارجي الذي يتعاملون معه ويحتكون به، كما تعتبر الأسرة هي النظام الأمثل القادر على أن يلعب دوراً مهماً في تحقيق وتعزيز الانتماء للوطن وحبه، وفي تفعيل مفهوم المواطنة وقيمّها لدى أبنائنا، وكذلك لها دوراً أساسياً في ترسيخ وتعزيز الانتماء للوطن وقيّم المواطنة في نفوس أبنائنا في مراحلهم المبكرة في تكوين شخصياتهم، كقيّم المساواة والمسؤولية والمشاركة والحرية واحترام الرأي الآخر، وغيرها من القيّم الأخرى التي تشكل ركائز الانتماء الوطني وقيّم المواطنة وعناصرهما الأساسية. 

حيث يعّرف الانتماء للوطن بأنه ذلك السلوك الذي يعبّر عن امتثال المواطن للقيّم الوطنية السائدة 

في مجتمعه، كالالتزام بالقوانين والأنظمة السائدة، والمحافظة على ثروات الوطن وممتلكاته، وعلى تشجيع منتجاته الوطنية، والتمسك بالعادات والتقاليد، والاعتزاز بالرموز الوطنية، والمشاركة في الأعمال المجتمعية التطوعية، والاستعداد للتضحية دفاعاً عن الوطن، فالشعور بالانتماء إلى الوطن ينمي في المواطن شعوراً بالأمان والاستقرار والطمأنينة، فذلك الشعور لا يتحقق إلا من خلال التربية السليمة لأبنائنا التي تشكل البنية الأساسية للولاء في حياته من خلال اكتسابه قيماً واتجاهات إيجابية تجعل سلوكه يتسم بالعطاء والحب والتضحية من أجل دينه وأمته ووطنه، والعمل على الرقّي لهما وتطورهما والدفاع عنهما والتضحية من أجلهما.

والجدير ذكره هنا هو بأن قضية الانتماء للوطن تعّد من أخطر القضايا في عالمنا هذا، لأنها من القضايا الجوهرية التي تقوم على إعداد المواطن الصالح الذي يعّد الركيزة الأساس والأسمى لبناء الوطن، وتحقيق أمنه وسلامته، ودفع عجلته نحو التقدم والتطور والتميز، لذلك تحتاج مجتمعاتنا العربية إلى ذكرياتها وأمجادها التاريخية التي تسهم في تفكيك عُقّد الحاضر وإزالتها من نفوس أبنائنا لتمنح التفاعل الخلاّق مع قضايا عصرنا هذا ومكتسبات حضارتنا العربية.

كما أن مَسْؤُولِيَّةِ الأُسْرَةِ التي تعّد اللبنة الأَسَاسِيَّةُ لِصِيَاغَةِ شَخْصِيَّةِ الأَبْنَاءِ وَتَهْذِيبِ سُلُوكِهِمْ، وَغَرْسِ الْمَعَانِي الْجَمِيلَةِ، وَالْقِيَمِ النَّبِيلَةِ تِجَاهَ دِينِهِمْ وَوَطَنِهِمْ وأمتهم، والدَّوْرِ الَّذِي تُقَدِّمُهُ فِي تَعْزِيزِ الانتماء للوطن وحبه وقِيَمِ المواطنة في نفوس أبنائنا دوراً رئيسياً، كتَحْقِيقُ التَّكَافُلِ الأُسَرِيِّ بَيْنَ أَفْرَادِ الْوَطَنِ، وَغَرْسُ رُوحِ الْمَحَبَّةِ وَالأُخُوَّةِ بَيْنَ شُعُوبِ بِلاَدِنَا العربية خَاصَّةً وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، والعمل على تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى، لذا يتوجب على مجتمعاتنا العربية العمل على حَثُّ أَفْرَادِ أسرنا عَلَى التَّمَسُّكِ بديننا الحنيف وَالتَّحَلِّي بِأَخْلاَقِيَّاتِ الْمُسْلِمِ العربي الْوَاعِي بِأُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، مِنْ أَجْلِ رِفْعَةِ شَأْنِهِ، وَشَأْنِ وَطَنِهِ وتقدمه، وَغَرْسُ حُبِّ الْوَطَنِ وَالاِنْتِمَاءِ لَهُ فِي نُفُوسِ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ رُقِيِّهِ وَتَقَدُّمِهِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى مُكْتَسَبَاتِهِ، وَإِبْرَازُ مُنْجَزَاتِهِ، وَاحْتِرَامُ أنظمته وحكوماتهُ، واحْتِرَامُ أَفْرَادِ شُعُوبِهِ، وَالإِحْسَانُ لَهُمْ، وَحُبُّ كُلِّ فِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ بِمُخْتَلَفِ انْتِمَاءَاتِهِمْ، وَالاِبْتِعَادُ عَنْ كُلِّ الإِفْرَازَاتِ الْعِرْقِيَّةِ، وَالْقَبَلِيَّةِ، والتَّقَيُّدُ بِنِظَامِهِ الْعَامِّ؛ والأَنْظِمَةِ الَّتِي تُنَظِّمُ شُؤُونَه وَتُحَافِظُ عَلَى حُقُوقِ الْمُوَاطِنِينَ، وَتَسْيِيرِ شُؤُونِهِمْ، فالمواطن العربي مسكونه نفسه بوطنه، وذلك تجسيداً لمعنى الانتماء الصادق لأنه يغرس في المجتمع الخير، وينمي فهم معاني المحبة والانتماء والتآلف والتماسك، ويبعد عنه الحسد والتباغض والمنازعات.

ففي تاريخنا العربي الإسلامي كان الإسلام بقيمه ومبادئه هو مضمون الانتماء الوطني الصادق، لذلك يتوجب علينا حث أبنائنا على حب الآخرين والتعايش معهم، فأبناء شعوبنا العربية مشهودً لهم بالخير ومعروفون بسلوكهم المعتدلة، وكذلك يجب العمل على تغليب روح الانتماء للوطن على الروح القبلية، والعمل على إشاعة ثقافة الانتماء لوطننا العربي، وإلغاء النعرات القبلية والطائفية والمذهبية وتأكيد خطورتها على وحدتنا الوطنية العربية، وتهديدها للنسيج الاجتماعي لأمتنا، كما يجب العمل على تعميق عوامل الهوية الوطنية ضد الانتماءات الفرعية التي تؤدي إلى إضعاف الولاء الوطني، والعمل 

على إحساس المواطن بدوره في المجتمع فالانتماء فرصة للمشاركة الإيجابية مع الاخرين، وكذلك العمل على توافر الوحدة الاجتماعية التي يستحيل أن تبُنى على أسس راسخة بغير انتماء والبعد عن إثارة النعرات والضغائن والقبليات.

   

فجميعنا يعلم بما يواجهه المواطن العربي المسلم من تخطيط لسلب هويته وحضارته، وما خططوا أعدائنا أعداء الإنسانية لذلك بمكر ودهاء وجندوا لتنفيذها بهدف تشويه كل عمل عربي إسلامي بالإرهاب، وكل ذلك يؤثر على تكوين الشخصية العربية عند التفكير في تأسيس جيل عربي جديد، ولكي نعمل على تصحيح هذا الوضع فيجب علينا العمل على إيجاد إعلام عربي يقوم بتسليط الأضواء على هذا الجانب، وكذلك تسليط الضوء على رسالة الإسلام السمحة التي يحملها كل مواطن في نفسه والتي تتضمن الأخوة الإنسانية والتسامح والتعاون بين شعوب عالمنا هذا، وكذلك العمل من أجل التنسيق والتشاور لتوحيد الأهداف والسياسات الخاصة بمؤسسات التربية لإزالة كل الشبهات التي التصقت بالشخصية العربية بشكل خاص وبالإسلام بشكل عام.    

ولذلك يتوجب على كل مواطن عربي مسلم حر المساهمة لتزويد مجتمعنا العربي بمواطنين صالحين يقومون بنفعة أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم، بوسائل تمكنهم من استيعاب ثقافتهم الاجتماعية والتفاعل مع وجدان أمتهم، فإن حس الانتماء للدين وللمجتمع وللوطن يضفي على أنفسهم الاطمئنان والاستقرار، وفقدان هذا الحس سيؤثر على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في الوطن، فالتربية والتنشئة على الانتماء للوطن والبدء في ذلك من الأسرة التي تعّد من أهم عوامل التنمية في المجتمعات كافة، فمن مقومات المواطنة الصالحة هي حب الوطن والانتماء له والعمل من أجل رقيه وتقدمه ومن أجل الدفاع وابعاد الضرر عنه والحفاظ على مكتسباته والمشاركة الفاعلة في خطط التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وحثه على التحلي بأخلاقيات المواطن العربي المسلم الواعي بأمور دينه وأمته ووطنه من أجل رفعة شأنه، وكذلك يجب العمل على تعزيز الثقافة الوطنية وبث الوعي بتاريخ أمته ووطنه واحترام قيادته السياسية.

وكذلك يجب العمل على إعادة صياغة دور الأسرة من خلال مناهج التربية والتعليم، والتعاون بين المشترك منها وبين مؤسسات المجتمع الأخرى، بما يعزز دورها في تحقيق الانتماء الوطني لأبنائها، وتوعيتهم بالأسباب التي تهدد مظاهر ومؤشرات الانتماء الوطني من خلال إقامة الندوات والدورات وورش العمل التي توجه أفكارهم نحو العمل المثمر المساهم في بناء المجتمع والتحذير من الأفكار المنحرفة، وحث القنوات الإعلامية على بث المعلومات الثقافية التي تعزز من الانتماء الوطني لأبنائنا وتنمية قيّم المواطنة لديهم، وضرورة تعاون المؤسسات التربوية والإعلامية مع الأسرة وأن تتوحد الأهداف لهذه المؤسسات وفق الثوابت حتى نسّلم من ازدواجية أو تناقض في دور ومسؤوليات الأسرة تجاه أبنائها.