جمهوريات آسيا الوسطى: فضاءات افتراضية لشبكات جهادية

22

✍️عمرو نبيل الفار
ينشأ كثر من المتطرفين الذين يتبنون العنف في آسيا الوسطى محلياً، لكن يمتلك معظمهم صلات بشبكات القاعدة و”تنظيم الدولة الإسلامية” و”حركة طالبان”.
لطالما كانت أوساط بلدان آسيا الوسطى الإلكترونية أوساطاً منعزلة. لكن على مدار العقد الماضي شهدت جمهوريات المنطقة الخمس (أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان وطاجكستان وقيرغيزستان) تحولاً إلكترونياً سريعاً.
فقد اجتاحت وصلات الألياف الضوئية عالية السرعة والهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي المنطقة وانتشرت الخدمات الإلكترونية والمراكز التكنولوجية بكثافة. لكن وكما هو الحال دائماً فإن الإنترنت سلاح ذو حدين: فمع تزايد أعداد مستخدمي الإنترنت في بلدان آسيا الوسطى، أصبحوا الآن يطلعون على محتوى متشدد موجه إليهم بلغاتهم المحلية، وهو ما ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد بتحولهم إلى التطرف.
أصبح للحركات الجهادية العالمية موطئ قدم في المنطقة. ويزعم أن خلايا إرهابية لها صلات بِجمهوريات آسيا الوسطى هي التي تقف وراء هجمات نيويورك وسانت بطرسبرغ عام 2017، وستوكهولم عام 2018 وإسطنبول عام 2019.
تواجه حكومات جمهوريات آسيا الوسطى صعوبة في احتواء الأنشطة الإرهابية المنظمة، بخاصة في أعقاب عودة عدة آلاف من المقاتلين الأجانب الذين خاضوا غمار المعارك خلال حملات جهادية في سوريا والعراق وأفغانستان، تلك البلدان التي مزقتها الحرب. يكمن أحد أسباب صعوبة السيطرة عليهم في أن كثراً من المتطرفين في آسيا الوسطى هاجروا إلى الإنترنت.
تمنح الأوضاع في بلدان آسيا الوسطى فرصة ذهبية لذلك الجيل الجديد من المتطرفين الرقميين. إذ يبلغ متوسط الأعمار في المنطقة 27 سنة فقط، مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية حيث يبلغ متوسط الأعمار 38 سنة و44 سنة على الترتيب.
ولهذا فهم يستهدفون تلك الأعداد الكبيرة من الشباب الذين يواجهون مستقبلاً مظلماً مع ضعف فرصهم التعليمية والوظيفية وكذلك فرص ارتقائهم الاجتماعي. لا تترك الدول البوليسية الاستبدادية مجالاً كبيراً لأيّ تعبير سياسي حقيقي. وللتنفيس عن همومهم، يلجأ الشباب المحبطون بصورة متزايدة إلى الحركات المتطرفة، التي يمكنهم العثور عليها بسهولة أكثر من أيّ وقتٍ مضى بفضل مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات الإلكترونية.
ينشأ كثر من المتطرفين الذين يتبنون العنف في آسيا الوسطى محلياً، لكن يمتلك معظمهم صلات بشبكات القاعدة و”تنظيم الدولة الإسلامية” و”حركة طالبان”. وغالباً ما تكون ولاءاتهم متقلبة وتحركهم دوافع واسعة النطاق، ولا يتصفحون الانترنت بحثاً عن أفراد جدد لتجنيدهم من جمهوريات آسيا الوسطى فحسب، لكنهم يصطادون أيضاً المهاجرين الذين تتزايد أعدادهم. إذ يهاجر الشباب العاطلون من العمل بحثاً عن فرص أفضل في أماكن أخرى في المنطقة، بما في ذلك روسيا المجاورة.
ففي سوريا على سبيل المثال، يقاتل معظم الجهاديين من بلدان آسيا الوسطى تحت مظلة هيئة “تحرير الشام”، وهي ميليشيات سلفية تقاتل نظام الأسد. وتضم هيئة “تحرير الشام” جماعتين تتكونان بشكل أساسي من الأوزبك، هما كتيبة “التوحيد والجهاد” وكتيبة “الإمام البخاري”. تقاتل الكتيبتان في أفغانستان أيضاً، حيث تتعاونان مع “طالبان”.
تنشط هيئة “تحرير الشام” أيضاً في منطقة شمال القوقاز وتضم جماعات جهادية أخرى مثل “إمارة القوقاز الإسلامية” و”لواء المهاجرين والأنصار”. ويتمثل هدفها الأساس في تحرير الشيشان وداغستان وجمهورية إنغوشيتيا من الحكم الروسي، وتنهمك في تجنيد مجموعة كبيرة من العمال المهاجرين من آسيا الوسطى إلى روسيا.
هناك أيضاً جماعات إرهابية منتمية إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” التي لا تزال نشطة في بلدان آسيا الوسطى ذاتها، والتي عادة ما تضم مجاهدين من أوزبكستان وطاجكستان وروسيا. على سبيل المثال، يعتبر “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية خراسان”، الذي يستمد اسمه من المنطقة التاريخية التي تضم حالياَ إيران وأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى، نفسه فرعاً لشبكة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابية في تلك البلدان. وفقاً لشركة SecDev، التي أجرت تحليلاً لبيانات المجموعات المتطرفة على الإنترنت، يشير التنظيم إلى أن لديه مجاهدين في أفغانستان وباكستان وطاجكستان.
ما يجمع بين تلك الشبكة وغيرها من الفصائل الإرهابية المتطرفة مختلفة الإيديولوجيات هو اعتمادها على منصات التواصل الاجتماعي من أجل التواصل مع أتباعها والمتعاطفين معها. تمكنت شركة SecDev من تحديد نحو 500 قناة منفصلة تستخدمها تنظيمات متطرفة في آسيا الوسطى على مواقع وتطبيقات “تيليغرام” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”تويتر” و”يوتيوب” ومنصات التواصل الاجتماعي الروسية التي تحظى بشعبية كبيرة مثل “فكونتاكتي” و”أدنوكلاسنيكي”، وتستخدم معظمها اللغة الروسية التي لا تزال لغة التواصل في المنطقة، لكن ثمة قنوات أيضاً باللغات الأوزبكية والطاجيكية والقرغيزية. يتابع أكثر من 174 ألف شخص هذه القنوات، ويقدر إجمالي المشتركين فيها بالملايين.
وتنشط مجموعات متطرفة أكثر من غيرها على الإنترنت. لدى مثلاً مجموعات “تنظيم الدولة الإسلامية”، ومن بينها فرع ولاية خراسان، أكبر حضور على منصات التواصل الاجتماعي في المنطقة، إذ تمتلك أكثر من 174 قناة وأكثر من 66 ألف متابع لجميع حساباتها ومنصاتها المختلفة حتى تموز/ يوليو 2020. ولا يقل حضور هيئة “تحرير الشام” عن ذلك كثيراً، إذ تمتلك 119 قناة وحوالى 50 ألف متابع ومشترك.
بينما يتراوح عدد المشتركين في مجموعات التنظيمات الأخرى ما بين ألف و16 ألف مشترك. لكن من الصعب تحديد عدد المتطرفين النشطين إلكترونياً على وجه الدقة، إضافة إلى أن هذه الأرقام أقل من الحقيقة في الغالب، لأن تلك المجموعات تتحول بصورة متزايدة إلى استخدام منصة “تيليغرام” المشفرة من أجل التواصل.
تُروِّج منشورات صادرة عن تلك الجماعات المختلفة لمبدأ استخدام العنف بشكل كبير لتحقيق أهداف سياسية، بما في ذلك توجيه التهديدات الصريحة والتحريض على محاربة “الكفار”، أينما وجدوا. وإلى الآن لا تزال مشاهد العنف الحية في سوريا والعراق وليبيا ومناطق الصراعات الأخرى متداولة، على رغم أنها أصبحت أقل شيوعاً مما كانت عليه في الماضي.
كذلك تميل تلك القنوات إلى ربط قضاياها المحلية بالصراعات الخارجية في أماكن أخرى من العالم. ومع تصاعد حدة القتال في ناغورنو كاراباخ هذا الصيف، كشفت شركة SecDev على سبيل المثال، عن تزايد نسبة تبادل المحادثات من الجماعات التابعة لهيئة “تحرير الشام” في سوريا والتي دعمت آذربيجان وتركيا. تشكل التوترات بين روسيا وتركيا موضوعاً بارزاً آخر، وكثيراً ما يقترن ذلك بالدعوة إلى حمل السلاح لدعم تركيا ذات الغالبية المسلمة. يستهدف معظم ما يرد في هذا النوع من المحتوى مستخدمي الإنترنت المقيمين في آسيا الوسطى مباشرة.
يقاتل معظم الجهاديين من بلدان آسيا الوسطى تحت مظلة هيئة “تحرير الشام”، وهي ميليشيات سلفية تقاتل نظام الأسد.
وتناضل الحكومات ومقدمو خدمات الإنترنت وشركات وسائل التواصل الاجتماعي من أجل احتواء هذا السيل من المحتوى العنيف. لكن ثمة معضلة متكررة: فبمجرد حظر أي قناة أو حساب على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر غيرها مرة أخرى بشكل سريع، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية. وكلما زادت تلك الجهود الرامية إلى فرض السيطرة على هذا النوع من المحتوى، اكتشفت الجماعات المتطرفة العنيفة أساليب أكثر ابتكاراً لتجاوزها والتحايل عليها. أدت لعبة المطاردة المستمرة لسنوات طويلة مع الحكومات الأجنبية والمحلية إلى تحويل أفراد الجماعات المتطرفة في آسيا الوسطى إلى مشغلي إنترنت من ذوي الخبرة والمهارة.
وتحرص معظم الجماعات المتطرفة على ضمان سرية هويتها بشكل صارم عبر شبكتها. ويستخدم أفرادها كذلك القنوات الوهمية بانتظام لإبعاد النظر منهم وتضليل المخابرات الروسية وغيرها من الأجهزة الاستخباراتية. ومن أجل تفادي التحول إلى أهداف، تعمل القنوات المتطرفة على الدمج بين المحتوى الديني والسياسي المعتاد ضمن المنشورات الأكثر تطرفاً. وفي واقع الأمر، يتم تضمين المحتوى المتطرف العنيف بشكل كبير في مقاطع الفيديو ومقاطع الصوت والنصوص العادية التي تبدو غير مؤذية. باختصار، يكون من الصعب جداً في معظم الأحيان تحديد ذلك.
في الوقت الحالي، تعرف هذه المجموعات أيضاً كيفية نشر الروابط التشعبية الاحتياطية والقنوات الوسيطة بسرعة قبل إزالة مواقع الويب الخاصة بهم. وغالباً ما يستخدم مسؤولو تلك القنوات الحسابات الآلية وجهات الاتصال الشخصية الخاصة بهم لإغراق حسابات المشتركين لديهم بالروابط التشعبية قبل إغلاق قنواتهم.
علاوة على ذلك، يقوم أعضاء الجماعات المتطرفة العنيفة بإزالة المحتوى من على شبكة الإنترنت بمهارة فائقة لمنع السلطات من تعقب أثره إلى المصدر. على سبيل المثال، كشفت شركة SecDev، عن انخفاض حاد في قنوات “تيليغرام” التي كانت تنشر محتوى متطرفاً أوائل هذا العام. في الأشهر الأخيرة، كان هناك انخفاض بسيط، إنما ملموس، في عدد القنوات المتطرفة عبر معظم المنصات، ما أدى إلى حدوث انخفاض هائل في الاشتراكات عموماً. ولا يعني ذلك بالضرورة أن عدد الجماعات يتقلص، بل في واقع الأمر توجد علامات تشير إلى لجوء الجماعات المتطرفة إلى القنوات الاحتياطية والاتصالات المشفرة لسد هذه الفجوة.
للتنفيس عن همومهم، يلجأ الشباب المحبطون بصورة متزايدة إلى الحركات المتطرفة، التي يمكنهم العثور عليها بسهولة أكثر من أيّ وقتٍ مضى بفضل مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات الإلكترونية.
وفي ضوء تلك التحديات، من الصعب تحقيق التصدي الرادع للتطرف الرقمي من خلال الإجراءات الإلكترونية فحسب. إذ تؤدي الاستثمارات الميدانية من جانب الحكومات ومنظمات المجتمع المدني دوراً أساسياً في ذلك. ومن بين الأمثلة على ذلك، مخطط التنمية الشاملة الذي أطلقته الولايات المتحدة عام 2019 لمواجهة المخاطر الأساسية الناجمة عن التطرف والتشدد في المنطقة.
ويهدف هذا المخطط إلى تحفيز النمو الاقتصادي من خلال خلق مزيد من فرص العمل، وتوسيع نطاق فرص الدراسة أمام الشباب، وتعزيز قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتحسين سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتقديم المساعدة للبلدان المجاورة مثل أفغانستان التي تمثل مناطق جذب للمقاتلين الأجانب. ولكن الحقيقة هي أن كل هذه الجهود تُعد مجرد قطرة في المحيط بالنظر إلى حجم التحديات الهائلة على أرض الواقع. والأكثر من ذلك، هو أن البرامج الأكثر نجاحاً أصبحت مهددة بخطر الخروج عن مسارها بسبب موسكو أو بكين أو طهران أو أنقرة.
تقع آسيا الوسطى وسط نوع جديد من الصراعات المختلطة التي يسودها التشوش في العالمين المادي والرقمي. في مثل هذا النوع من الصراعات، لا تقل أهمية تعطيل المحتوى المتطرف العنيف الموجود على شبكة الإنترنت عن أهمية مكافحة الإرهاب وتطبيق القوانين واتخاذ الإجراءات والتدابير التي تستهدف المتطرفين، إلى جانب القضاء على الظروف المجتمعية التي تؤدي إلى التطرف.

إذ تجمع عملية التطرف عن عمدٍ بين التفاعلات الافتراضية والمادية بالفعل، من خلال استخدام أدوات جديدة لاختيار المجندين وتجهيزهم وتدريبهم وتوزيعهم. لهذا، تواجه الحكومات وشركات التواصل الاجتماعي والمجتمعات المدنية تحدياً جسيماً. وسيكون العمل معاً لمحاربة المشكلة أمراً صعباً، لكن البديل سيكون أسوأ بكثير.