دنيا ودين ومع رأفة بالشباب ” الجزء السادس “

40

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السادس مع رأفة بالشباب، وإن الحديث عن الزواج حديث ذو شجون، وهناك العقبات التي تقف أمام الزواج في طريق الزواج وتؤدي إلى تأخيره أو تعسيره على أبنائنا وبناتنا، ومنها انتشار بعض المفاهيم الخاطئة حول الزواج وتأخيره، فيؤخر الزواج لدى كثير من الذكور والإناث بحجة إكمال الدراسة، أو الحصول على الوظيفة، أو القدرة المالية، أو عدم الرغبة في الارتباط المبكر، أو غير ذلك من الأسباب التي أوهمت بها أدمغة الناس والشباب بسبب لوثَات الأفلام والمسلسلات والقنوات، وإن من المؤسف أن يصل بعض الشباب إلى سن الثلاثين والأربعين، وهو لم يفكر بعد في موضوع الزواج، وإن تأخير الزواج مخالف للسنة الشرعية كما هو مخالف للسنة الفطرية، وقد قرّر المتخصصون في علم الاجتماع والحياة أن الزواج المبكر هو أنجح الزيجات حتى ولو تعثرت الظروف المادية، وأنه سبب لاستقرار الصحة النفسية والجسدية، هذا بالإضافة إلى اكتمال الدين والعفاف وحصول الإحصان في بداية الحياة.

وإنه لا تعارض حقيقة بين الزواج ومتطلبات الحياة الدنيوية، ذلك أنه جزء من الحياة الطبيعية، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله، والمكاتب، والناكح يبغي العفاف” رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، ومن هنا نقول ماذا تنفع المرأةَ بالذات شهاداتها إذا بقيت عانسا قد فاتها ركب الزواج، ولم تسعد في حياتها بزوج وأولاد، يكونون لها زينة في الحياة، وذخرا بعد الوفاة، كم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نضارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها، لتسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها، وإذا كنا نقول نعم للزواج المبكر، فإننا نؤكد على حسن التربية وأداء الأمانة بتهيئة الفتاة لحياتها الزوجية، وتعليمها وتربيتها لتحمّل المسؤوليات في بيتها، وإن العقبة الكبرى هى غلاء المهور، فقد حول غلاء المهور الزواج إلى أمر شاق، ولا يطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهل الزوج، مع أن المهر في الزواج وسيلة لا غاية.

وإن المغالاة فيه المهور، والمباهاة بها، وتقويم الخاطب بمقدار ما قدّم من مهر، لهو صغر في النفس، ونقص في العقل، كما أن إرهاق الخاطب بالمهر الكثير، واشتراط الهدايا الكثيرة لأقارب الزوجة لهو جشع وطمع وانتهازية تورث الضغائن، وترهق بالديون، وتعيق مسيرة الزواج في المجتمع، وتسبب الزواج من مجتمعات أخرى، بينما تمتلئ البيوت بالعوانس، فسبحان الله أين الرحمة في قلوب هؤلاء الأولياء؟ كيف لا يفكرون بالعواقب؟ هل يسرهم أن يسمعوا الأخبار المفجعة عن بناتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟ وإن من المؤسف حقا، أن بعض الأولياء وصل به الجشع والطمع أن يعرض ابنته الحرة الكريمة سلعة للمزايدة، وتجارة للمساومة، وتلكم والله صورة لئيمة يترفع عنها كرام المؤمنين، بل إن كرام المؤمنين يبحثون بأنفسهم عن الأزواج الأخيار لبناتهم، كما عرض عمر رضي الله عنه ابنته حفصة على أبي بكر، ثم على عثمان، رضي الله عنهم أجمعين وكما زوج سعيد بن المسيب رحمه الله ابنته لتلميذه أبي وداعة.

ومن العضل، هو سوء خلق الولي مع الخطاب، فيبتعد الناس عن التقدم لخطبة ابنته أو موليته، لشدته وتجهّم وجهه واغتراره بنفسه ومركزه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “ومن صور العضل أن يمتنع الخطاب من خطبة المرأة لشدة وليّها” ومن أسوأ صور العضل، حجر المرأة على أحد أبناء قرابتها، فلا يسمح لها وليّها بالزواج من غيره، ولو بقيت عانسا طول حياتها وهذه جريمة كبيرة وأنانية مفرطة، تراعي أعرافا بالية، وتخالف الشريعة الخالدة، وإن المرأة لا يجوز أن تجبر على نكاح من لا تريد، وولاية أبيها عليها ولاية مصلحة وصيانة، وحفظ وأمانة، وليست ولاية تسلط وتجبّر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن” فقالوا يا رسول الله، فكيف إذنها؟ قال “أن تسكت” رواه البخارى ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض” رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم.

وقال بعض أهل العلم إن المرأة إذا اختارت كفئا، واختار الولي كفئا غيره، فيقدّم الذي اختارته، فإن امتنع كان عاضلا، فعلى الأولياء أن يتقوا الله في حق الفتاة، كما أن على الفتاة أن لا تتفرد برأيها، وأن تتفهم مشورة وليّها في القبول والرفض، وأن تكون المصلحة مناط الاختيار، وإن العقبة الأكبر أمام الزواج هى الإسراف والمبالغة في التكاليف، فحينما أحيطت بعض حفلات الأفراح بهالة من التكاليف والمبالغات، التي تضخمت حتى أصبحت عقبة كأداء، قد تتجاوز تكاليفها قيمة المهر، فهى تكاليف باهظة، ونفقات مذهلة، وعادات فرضها كثير من الناس على أنفسهم، تقليدا وتبعية، ومفاخرة ومباهاة، وإسرافا وتبذيرا، وتعظم المصيبة إذا اقترنت هذه التكاليف بشيء من المنكرات والمعاصي من اختلاط بين الرجال والنساء، وجلب للمغنين والمغنيات بالمعازف وآلات الطرب، وتضييع الصلوات، وكشف للعورات، وتعرى في لباس الحفلات، ناهيك عن التصوير العلنى والخفى؟

فأى بركة ترجى، وأى توفيق يُؤمل، إذا استفتحت الحياة الزوجية من أول ليلة بالمنكرات، ومعصية رب الأرض والسماوات، الذي بيده مفاتيح القلوب، ولا يملك أسباب السعادة والتوفيق إلا هو سبحانه وتعالى، ألا يعدّ هذا الإسراف المحرم كفرا بالنعمة، وبطرا وتمرّدا على المنعم سبحانه؟ ألا نعتبر بأحوال إخوان لنا فى العقيدة، في بقاع شتى من العالم، لا يجدون ما يسد رمقهم، ولا ما يواري عوراتهم، بل ولا ما يدفنون به موتاهم؟ ولقد جاءت شريعتنا الغراء بتيسير أمور الزواج والحث على الاقتصاد فيه، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال” خير النكاح أيسره ” روى أبو داود، وما نريده لأبنائنا وبناتنا هو تيسير الزواج، والمساعدة على الإحصان والعفاف، والحرص على الأكفاء ذوى الدين والخلق، مع البعد عن التكاليف والمبالغات التي تقصم ظهور الشباب، وتصدهم عن الزواج، وعلى الوجهاء والعلماء والأثرياء، أن يكونوا قدوة لغيرهم في هذا المجال.

وعلى وسائل الإعلام نصيب كبير في بث التوعية والتوجيه في صفوف أبناء المجتمع، ولكل الآباء والأولياء نقول اتقوا الله فيما ولاكم، واحرصوا على تزويج أبنائكم وبناتكم، ولا تعرّضوهم للعنوسة أو الفتنة والانحراف لا قدر الله، فإننا إذا وضعنا العراقيل أمام الزواج، فلا نلم إلا أنفسنا إذا انتشر الانحلال والدعارة من المعاكسات والعلاقات المشبوهة والسفرات المحرمة، في زمن تعاظمت فيه ألوان الفساد وأنواع الفتن، مما تبثه القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية التي تفجر براكين الجنس، وتزلزل ثوابت الغريزة، وتهدم قيم الأمة وأخلاقها وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم “إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض” .