دنيا ودين ومع وداع رمضان ” الجزء الرابع “

41

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع وداع رمضان، وقد توقفنا عند منهيات بعد رمضان ومنها خروج بعض النساء متبرجات بزينة، متنقبات أو سافرات، ومن المعلوم أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الرجال متبرجة متزينة متعطرة، حتى لا تحصل الفتنة منها وبها, فقال صلى الله عليه وسلم” أيما امرأة استعطرت، فمرت على القوم، ليجدوا ريحها فهي زانية ” رواه أحمد، وعلى الرجل المسلم أن يحذر من الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، ومصافحة المرأة الأجنبية، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال” لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ” رواه الطبرانى والبيهقى، فإن العيد على الأبواب، فإلى كل صائم وصائمة أوجه هذه العبارات، لعل الله تعالى أن يكتبها فى ميزان الحسنات، أقول وأنتم تشترون لأولادكم وبناتكم ملابس العيد، وحلويات العيد، تذكروا ذلكم الطفل اليتيم، الذى ما وجد والدا يشترى له ملابس العيد، ويبارك له بالعيد، ويقبله، ويمسح على رأسه.

قتل أبوه في جُرح من جراح هذه الأمة، وتذكروا تلكم الطفلة الصغيرة، حينما ترى بنات جيرانها يرتدين الجديد، وهي يتيمة الأب، إنها تخاطب فيكم مشاعركم، وأحاسيسكم، إنها تقول لكم أنا طفلة صغيرة، ومن حقى أن أفرح بهذا العيد، نعم، من حقى أن أرتدى ثوبا حسنا لائقا بيوم العيد، من حقي أن أجد الحنان والعطف، أريد قبلة من والدى، ومسحه حانية على رأسى، أريد حلوى، ولكن السؤال المر الذى لم أجد له جوابا حتى الآن هو أين والدى؟ أين والدى؟ فقَدموا لأنفسكم، واجعلوا فرحة هذا العيد المبارك تعُم أرجاء بلادنا وبيوتنا، وإن من أعظم الجرم وإن من أكبر الخسران أن يعود المرء بعد الغنيمة خاسرا وأن يبدد المكاسب التي يسرها الله عز وجل في هذا الشهر الكريم، وأن يرتد بعد الإقبال مدبرا وبعد المسارعة إلى الخيرات مهاجرا وبعد عمران المساجد بالتلاوات والطاعات معرضا فإن هذه الأمور لتدل على أن القلوب لم تحيا حياة كاملة بالإيمان ولم تستنر نورها التام بالقرآن وأن النفوس لم تذق حلاوة الطاعة ولا المناجاة.

وأن الإيمان ما يزال في النفوس ضعيفا وأن التعلق بالله تعالى لا يزال واهنا لأننا على مدى شهر كامل دورة تدريبية على الطاعة والمسارعة إلى الخيرات والحرص على الطاعات ودوام الذكر والتلاوة ومواصلة الدعاء والتضرع والابتهال والمسابقة فى الإنفاق والبذل والإحسان ثم ينكس المرء بعد ذلك على عقبه، فإن ذلك أمر يدل على استحواذ الشيطان على الإنسان المؤمن وأن خنوس الشيطان فى رمضان فترة مؤقتة لم يتمكن الإيمان في القلوب والذكر في النفوس والصلة بالله عز وجل في كل آن، حتى تعصم المرء من وساوس الشيطان فيقول تعالى “إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم” فإن المسألة تحتاج إلى أن نتدبر في معناها ومغزاها إن المخالفة لله عز وجل والمعصية لأوامره والانتهاك لحرماته والتجاوز والتعدي على حدوده أمر عظيم تنخلع له قلوب المؤمنين الصادقين، وإنه كما قال سلفنا لا تنظر إلى صغر الذنوب ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

وكان أحدهم يقول إن الكافر يرى الذنب كذبابة جاءت على أنفه فقال بها هكذا أي لا قيمة لها ولا يكترث بها ولا يصيبه الغم مما وقع فيه من المعاصى، أما المؤمن فإنه يرى الذنب كالجبل يوشك أن يقع عليه، فلا يزال في هم منه وفي استغفار دائم لله عز وجل منه وفي سعي دائب ودائم على أن يكفر ذلك الذنب وأن يجدد التوبة وأن يصحح النية لله عز وجل وأن يستزيد من الخيرات والطاعات، فينبغي لنا أن نبرأ من حال من وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله “ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين” وإنه ينبغي لنا أن ندرك أن الحرمان من الطاعة بعد التوفيق إليها وأن الوقوع في المعصية بعد الاعتصام منها نوع من عدم رضوان الله عز وجل على العبد ونوع من حرمانه من قبول العمل لأن الله عز وجل قد وعد ووعده الحق أن الطاعة تولد الطاعة، وأن الذى يجاهد في سبيل الله وطاعته أنه عز وجل يسهل له الطريق.

ويمهد له السبيل فيقول تعالى “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين” هكذا وعد الله تعالى فإن كنا صادقين في جهادنا لأنفسنا واجتهادنا في طاعة الله فإن الله عز وجل يسّر لنا امرنا وجاعل لنا عاقبة أمرنا خيرا لنا من عاجلتنا وجاعل خير أعمالنا خواتيمها وجاعل كل يوم من الأيام زيادة في الخير والطاعة والقرب له سبحانه وتعالى، ولذلك ينبغى لنا أن نتذكر أن الارتداد على الأعقاب وأن المخالفة بعد الطاعات، وأن الوقوع فى المعاصي بعد المداومة على الخيرات هو من أعظم البلاء، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن القيم رحمة الله عليه إن أعظم ما يبتلى به العبد وقوعه في الذنب، وأعظم من ذلك أن لا يشعر بأثر الذنب فذلك موت القلوب، وهو أعظم بلية يبتلى بها الإنسان في هذه الدنيا ولنعلم أن الأيام تنقضي، وأن الأعمار تفنى، وأن الأجل يقدم، وأن الإنسان إذا وفق للطاعات اليوم فقد يحرم منها غدا إما بمرض أو بعجز، وإما بقهر وإما بسبب من الأسباب، فيقول تعالى “واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون”

ولنعلم أن هذا الأمر الذى يقع فيه كثير من الناس عاقبته إنها تعود على الإنسان نفسه، فالله عز وجل غني عن طاعة الطائعين مستغن عن عبادة العباد قال سبحانه في الحديث القدسي الصحيح المعروف “يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، فهو سبحانه الغنى ونحن الفقراء إليه فإن أطعناه في ذلك طمأنينة في قلوبنا وانشراح لصدورنا وسعادة لنفوسنا وبركة فى أموالنا وأوقاتنا وذرياتنا وحسن عاقبة في آخرتنا بإذن الله عز وجل، وإن عصيناه، لا قدر الله فإن ذلك ظلمة في القلب وضيق في الصدر وهم وغم، لأن الله عز وجل قال “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا” فكيف لو أراد الله عز وجل، قضى أن يعاقب كل أحد على معصيته لكان كما قال الله تعالى “ما ترك على ظهرها من دابة” وقال الله تعالى “فمن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا”

إنما هو المتضرر هو أنت أيها العبد المؤمن فكيف ترضى بعد الغنيمة فى مواسم الخير أن تعود خاوى الوفاق وان تتحمل الديون من جديد، إن هذا التاجر الذى يصنع هذا الصنيع لا شك انه أحمق وأنه يجني على نفسه جناية عظمى وأنه يكون عند الناس غير مرضي عنه ولا مقبول عمله، ثم انظروا ما ساق الله لنا فى هذا الشهر الكريم، انظروا ما كنا عليه بحمد الله عز وجل، مما ينطبق بإذنه سبحانه وتعالى، وصف وشهادة الحق في قوله ” إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” هذه الشهادة كنا ننالها بحمد الله ونحن نأتي إلى المساجد ونحن نتسابق إليها مع آذان المؤذن وقبل دخول الوقت ونحن نمكث فيها نظل فيها أوقاتا طويلة ويعتكف المعتكفون ويتهجد المتهجدون ويتطوع المتطوعون، فكيف بنا بعد ذلك نتخلى عن هذا الخير وقد يصدق في بعضنا قول الله تعالى ” فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا”.