زواج التحليل ” الجزء الثانى”

32

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى عن زواج التحليل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لعن من فعل ذلك وقد سمي “بالمحلل” لأنه أحل ما حرم الله فاستحق اللعنة، فإن الله سبحانه وتعالى قد حرمها على المطلق حتى تتزوج من غيره، والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النكاح المتعارف عليه بين الناسِ، الذي شرع إعلانه والضرب عليه بالدفوف والوليمة فيه، وجعل للإيواء والسكن، وفيه المودة والرحمة، وهذا يختلف تماما عن نكاح التحليل الذي ذكرنا فيه أن المحلل لا يدخل على نفقة ولا كسوة ولا سُكنى ولا إعطاء مهر، كما لا يترتب عليه نسب ولا صهر، ولا يقصد الإقامة مع الزوجة، ولهذا شبهه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المحلل “بالتيس المستعار” ولعنه، ومن هذا يعرف أنه ليس هو الزواج المذكور في القرآن الكريم، ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن الكريم، كما أن الله تعالى، قد فطر قلوب الناس على أن هذا ليس بزواج، ولا المحلل بزوج، وأن هذا منكر قبيح تعيّر به المرأة والزوج والمحلل والولي، فكيف يدخل هذا في الزواج الذي شرعه الله تعالى، ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأحبه وأخبر أنه سنته ومن رغب عنه فليس منه؟

وأما عن شروط الطلاق فإنه تتعلق بكل ركن من أركان الطلاق مجموعة من الشروط، وهى شروط المطلق وأنه يشترط في المطلّق أن يكون زوج فلا يقبل الطلاق من غير الزوج باتفاق الفقهاء، وأن يكون مكلف أي بالغ عاقل، فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم وقوع الطلاق من الصبى، سواء أكان مميِزا، أم لا، استدلالا، بقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ” رُفع القلم عن ثلاثة، عنِ المجنونِ المغلوب على عقله حتى يفيق، وعنِ النائم حتى يستيقظ، وعنِ الصبى حتى يحتلم” وقد استدلوا من المعقول بأن الطلاق من القرارات التي تحتاج إلى عقل وإدراك، كما أنه من التصرفات التي تلحق الضرر، فلا يصح وقوعه من الصبي حتى وإن كان مُميزا، أما الحنابلة فأجازوا طلاق المُميِّز الذي يعقل الطلاق ولو كان عمره دون العشر سنوات، ويصح توكيله في الطلاق استدلالا بعموم قول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ” إنما الطلاق لمن أخذ بالساق” وقوله صلى الله عليه وسلم ” كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله” ولا يُقبل طلاق المجنون، والمدهوش الذي لا يُميّز أقواله وأفعاله بسبب حالة انفعال ما، ومن مثلهم، كالمغمى عليه.

وهو ما عُرف شرعا بالإغلاق أي يمنع من الإدراك والفهم، لحديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ” لا طلاق ولا عتق في إغلاق” وأن يكون مختارا، أي ألا يكون المُطلق مُكرها على الطلاق، وذلك باتفاق الفقهاء، وأن يكون عاقل للطلاق وهو شرط عند الحنابلة، وأما عن شروط القصد ويُقصد به إرادة التلفظ، وإرادة المعنى الذي وُضع له، أي ألا يقصد الزوج غير معنى الطلاق بما تلفظ به، ولا يقع طلاق المُعلم الذي يذكره، وربما يكرره بقَصد التعليم، أو الذي يرويه عن نفسه، أو عن غيره لأنه يقصد الحكاية وليس الطلاق، وكذلك لا يقع طلاق غير الناطق بالعربية الذي لا يفهم معنى الطلاق وتلفظ به، ولا يقع طلاق النائم لأنه لم يقصده، وأما عن شرط محل الطلاق ويقصد بمحل الطلاق هو الزوجة التي يقع عليها الطلاق، ويُشترط فيها أن تكون في حال زواج صحيح قائم، ولو قبل الدخول، أو في عدة طلاق رجعى، إذ لا تزول الزوجية بين الزوجين قبل انتهاء عدة الطلاق الرجعى، ألا تكون في عدة طلاق بائن بينونة كبرى، لأن الزوج بذلك يكون قد استنفد حقه في عدد مرات الطلاق، ولا فائدة من طلقة أخرى.

أما إن كانت المرأة في عدة طلاق بائن بينونة صغرى فقد اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق عليها أثناء العدة فذهب الجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة إلى عدم وقوع طلاق آخر عليها لأن الطلاق البائن ينهي رابطة الزوجية، فلم تعد الزوجة محلا للطلاق، أما الحنفية فقالوا بوقوع الطلاق على المرأة أثناء العدة بسبب بقاء بعض أحكام الزوجية، كالنفقة، وعدم جواز زواجها من رجل آخر، وأن تكون معينةً وإما بالإشارة، أو بالصفة، أو بالنية، فقد اتفق الفقهاء على اشتراط تعيين المطلقة، خاصة لمن لديه عدة زوجات، فلا بد من أن يعين الزوجة التي يريد تطليقها منهن إما بوصفها، أو بالإشارة إليها، أو بنية تطليقها، أما من لديه زوجة واحدة، فإن الطلاق يقع عليها حال صدوره من زوجها، وأما عن حكم طلاق الحامل، فقد اتفق الفقهاء على صحة وقوع طلاق الحامل، سواء كان طلاقا رجعيا، أو بائنا، ويجوز لزوجها أن يراجعها أثناء العدة في الطلاق الرجعي، وبعد انتهاء العدة في الطلاق البائن بينونة صغرى، أما إن طلقها طلاقا بائنا بينونة كبرى، فلا تحل إلا بعد وضع الحمل، ولا تجوز له إلا بعد أن تتزوج زوجا آخرا بعد وضع الحمل.

وأما عن حكم الطلاق المعلق على حمل ومثاله أن يقول رجل لزوجته إن كنت حاملا فأنت طالق، فذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق إن كان بها حمل ظاهر، أما إن كان حملها غير ظاهر وظهر، وولدت بأقل من ستة أشهر، وقع الطلاق من وقت التعليق لثبوت الحمل لأن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر، وأما عن شرط صيغة الطلاق وهي ما يقع به الطلاق بأي لغة كان، وهو أنه يشترط في اللفظ أن يفيد معنى الطلاق سواء في اللغة، أو العرف، أو الكتابة، أو الإشارة المفهومة، واللفظ إما أن يكون صريحا، أو كنائيا، فالطلاق الصريح هو اللفظ الذي غلب استعماله في الطلاق، على أن يكون المراد منه ظاهرا، كلفظ الطلاق وما يُشتق منه، مثل قول الزوج لزوجته “طلقتك” أو “أنت طالق أو مطلقة”، وقد اتفق الفقهاء على أن لفظ الإطلاق مثل قول الرجل لزوجته “أطلقتك” أو “أنت مطلقة” من الإطلاق، من ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية، لعدم ثبوت استخدامها للطلاق في العُرف، أو الشرع، كما اختلف الفقهاء في اعتبار استخدام الألفاظ التي يغلب استعمالها بين الناس للطلاق، مثل قول الرجل لزوجته “أنت عليَ حرام” أو “حرّمتك” أو “محرَّمة”

وهو طلاقا صريحا لا يحتاج إلى نيّة، أو أنه طلاق كنائي يحتاج إلى نيّة، وبيان خلافهم فى الحنفية أنهم قد اعتبروه لفظا صريحا لا يحتاج إلى نيّة، لأن استعماله غلب بين الناس للطلاق، وإن كان في الأصل لفظا كنائيا، وأما عن الحنابلة، فإنه لا يكون الطلاق صريحا إلا إن كان متعلقا، بلفظ الطلاق وما اشتق منه، وأما لفظ الفراق والسراح فكناية، وأما عن المالكية، فإنهم قالوا بأن الألفاظ الكنائية الظاهرة تأخذ حكم الطلاق الصريح، خاصة الألفاظ التي جرت العادة باستخدامها للطلاق في الشرع، أو في اللغة، مثل ألفاظ التسريح والفراق، كقول الزوج لزوجته أنت بائن، وما أشبه ذلك، وأما عند الشافعية والظاهرية، فإنهم اعتبروا أن الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم بشأن الطلاق هي الألفاظ الصريحة، وتنحصر في ثلاثة، وهى الطلاق، والفراق، والسراح، وأن يفهم الرجل ويدرك ما يقول ويتلفظ به، حتى وإن كان بغير العربية وأن يسند الرجل الطلاق إلى المرأة، ويضيفه إليها بإحدى طرق التعيين، كالوصف، أو الاسم، أو الإشارة، أو الضمير، ومثال ذلك قوله “امرأتي طالق” أو “فلانة طالق” أو يشير إليها بقوله “أنتى طالق ” أو يقول “هي طالق” وألا يكون هناك شك في عدد مرات الطلاق.

أو في لفظ الطلاق، وأما عن حالات بطلان طلاق الزوجة، فهو طلاق المكره، وقد أجمع العلماء على وقوع طلاق المكره إن وقع الطلاق بحق، كإجبار القاضي في بعض الحالات، وأما طلاق المكره دون حق، فقد اختلف العلماء في وقوعه، وبيان خلافهم وهو الرأي الأول، حيث قال الحنفية بوقوع طلاق المكره مطلقا، واستدلوا على ذلك بأنه مختار للطلاق، ويمكن أن يدفع من أجبره عليه بأمر آخر، وأما عن الرأي الثاني، فهو أنه فرّق جمهور الفقهاء من الشافعية، والمالكية، والحنابلة في وقوع طلاق المكره بالنظر إلى حقيقة الإكراه، فإن كان ضعيفا، ولم يتأثّر به المكره فإن الطلاق يقع لتوفر الاختيار، وأما إن كان الإكراه شديدا، مثل القتل، أو الضرب المبرح، أو القطع، وما إلى ذلك، فلا يقع الطلاق، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها هو قول الله سبحانه وتعالى ” إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ” وإن وجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه وتعالى، قد حكم بالإيمان لمن نطق بما يخالفه جبرا، فالأولى عدم وقوع طلاق المجبر، إذ إن الطلاق أيسر، وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ” لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ” وكذلك مطلوب ضرورة توفر القصد، والنية في الطلاق ولا يقع الطلاق بانتفاء ذلك كما هو حال المكره عليه فلا يقع طلاقه لانتفاء القصد والإرادة عنده.