شعاع من نور ومع نبى الله إسحاق ” الجزء الرابع “

43

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الرابع مع نبى الله الكريم إبن الكريم إسحاق بن الخليل إبراهيم، وإن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وهذه هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع، وأما الكتاب:فقد قال سبحانه وتعالى مبينا مراتب أوليائه ” ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ” وإن الله سبحانه وتعالى قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت هذه الآية مبينة وموضحة أن من أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يكون من نعيمه في الجنة أن يتمكن من مجالسة الأنبياء ورؤيتهم وزيارتهم، فلا يفوته ذلك، وهذه المعية والرفقة لا تعني تساويهم في الدرجة، بل هم متفاوتون، لكنهم يتزاورون ويتجالسون ويأنسون بقربهم كما كانوا في الدنيا، وهذا بفضل الله تعالى لاتباعهم الأنبياء, واقتدائهم بهم، فالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق، فإن العقل يقضي بكون الأنبياء خير الخلق وأفضلهم. 

 

لأنهم رسل الله تعالى, والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده، وشرف الرسول عليه السلام، من شرف المرسل وشرف الرسالة، وهم المصطفون من عباد الله تعالى, اصطفاهم الله تعالى واختارهم واجتباهم ولا يختار سبحانه من الخلق إلا أكرمهم عليه وأفضلهم عنده وأكملهم لديه، فقال ابن القيم رحمه الله، ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته فمنهم من اتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما، ومنهم من رفعه مكانا عليّا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولا إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدا منهم بكرامة إلا على أيديهم, فهم أقرب الخلق إليه وسيلة, وأرفعهم عنده درجة, وأحبهم إليه وأكرمهم عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم, وبهم عرف الله, وبهم عبد وأطيع, وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض، وقد أعلى منازل الخلق في تحقيق العبودية لله عز وجل، ولقد حقق الأنبياء عبوديتهم لله فكانوا عباد الله المخلصين الذين بين سبحانه وتعالى أنهم هم الذين ينجون من السيئات التي يزينها الشيطان. 

 

وأما عن نبى الله إسحاق عليه السلام، فقد قيل أنه لما شب وترعرع إسحاق عليه السلام وبلغ الاربعين من عمره، وقيل الستين، تزوج من رفعة، وقيل رفقا، وقيل يومحاء بنت بتوئيل بن ناحور، فولدت توأمين هما عيسو أو العيص ويعقوب عليه السلام، وأقام بمدينة بئر السبع، وقد أصبح من أثرياء زمانه، وكلما تقدم في السن زادت أمواله، وكثر عبيده، وفي أواخر أيامه فقد بصره، ولم يزل حتى توفي بفلسطين، وقبل بالشام، ودفنوه إلى جوار ابيه في مغارة المكفيلة في حبرون، وتدعى اليوم بمدينة الخليل، وكانت بعثته للنبوة في زمن واحد مع بعثة أبيه وأخيه إسماعيل عليه السلام وبعثة لوط عليه السلم وولده يعقوب بن إسحاق عليه السلام، وهكذا تبدأ قصة النبي اسحاق ببشرى من الله تعالى لإبراهيم عليه السلام، الذي بلغه الكبر، وكانت امرأته سارة عجوزا، انقطع عنها الولد لكبر سنها، فأرسل الله تعالى له ملائكة بصورة آدميين مسافرين، كانوا في طريقهم إلى قرى لوط عليه السلام ليقيموا الحجة على أهلها، فلما مروا بإبراهيم عليه السلام طلبوا إليه أن يستضيفهم في بيته، ففعل عليه السلام، إذ كان معروفا بالكرم وحسن استقبال الضيف، وجاء لهم بعجل حنيذ أى مشوي فلما قدمه إليهم. 

 

فلم يأكلوا، ولم تمتد أياديهم اليه، كون ان الملائكة لا تأكل ولا تشرب، فدخل الخوف إلى قلبه عليه السلام، وخشي أنهم لم يأكلوا من الطعام لأنهم يضمرون السوء له، فطمأنوه، أي الملائكة بأنهم رسل من الله تعالى، ثم بشروه بميلاد إسحاق عليه السلام، وعقب هذه البشرى تعجب إبراهيم عليه السلام من أن يولد له ولد وقد بلغ من الكبر عتيا، ثم إن امرأته سارة عاقر، لكن إرادة الله تعالى فوق كل إرادة، وكرمه فوق أي كرم، ويكفيه في ذلك أن يتوكل الإنسان عليه، ويسأله تعالى دونما جزع أو يأس من جوده، وأما امرأته عليه السلام، فقد كانت تسمع ما يدور من الحديث بين زوجها وهؤلاء الضيوف، وبلغ منها العجب مبلغا، إذ كيف تلد وهي عجوز، وكيف لبعلها ذلك وهو شيخ كبير، وإن من تمام كرم الله تعالى، أنه لم يبشره بأي غلام، بل بشره بنبي صالح مبارك عليه، فهكذا يجود الله تعالى على أنبيائه وأصفيائه، فيختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وقيل إن نبى الله اسحاق عليه السلام ولد ولأبيه مائة سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة، وكان عمر أمه سارة حين بُشّرت به تسعين سنة، فيما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن سلسة ذرية إبراهيم وإسحاق هى سلسلة كرام. 

 

إذ حوت أنبياء الله تعالى يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام وذكر أن إسحاق عليه السلام لما أكمل الأربعين سنة من عمره تزوج، فأنجبت له امرأته توأما، هما يعقوب عليه السلام الذي يسمى بإسرائيل، وهو من ينتسب إليه بنو إسرائيل وبني بيت المقدس، ومن ذريته تناسل الأنبياء، فكان ممن ولد له يوسف عليه السلام، ومن ذريته أرسل الله تعالى الأنبياء موسى وهارون عليهما السلام، اما الولد الثاني فهو عيسو، وقيل إنه والد الروم، ومما قيل، أن إسحاق عليه السلام كان يميل قلبه إلى حب عيسو أكثر من غيره، وقالوا فلما كبر نبى الله إسحاق وضعف بصره، اشتهى على ابنه العيص طعاما، وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا، ويطبخه له ليبارك عليه، ويدعو له، وكان العيص صاحب صيد، فذهب يبتغي ذلك، فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه، ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه، ويأتي إليه به قبل أخيه ليدعو له، فقامت فألبسته ثياب أخيه، وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين، لأن العيص كان أشعر الجسد، ويعقوب ليس كذلك، فلما جاء به وقربه إليه، قال من أنت؟ قال ولدك، فضمه إليه وجسه، وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب. 

 

وأما الجس والثياب فالعيص، فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا، وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده، وأن يكثر رزقه وولده، فلما خرج من عنده، جاء أخوه العيص بما أمره به والده، فقربه إليه، فقال له ما هذا يا بني؟ قال هذا الطعام الذي اشتهيته، فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك؟ فقال لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك، فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا، وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى، وأن يجعل لذريته غليظ الأرض، وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم، فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب، أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران، وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه، وأن يتزوج من بناته، وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك، ويوصيه ويدعو له ففعل، فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم، من آخر ذلك اليوم، فأدركه المساء في موضع فنام فيه، وأخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الأرض، وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون، والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك، وأكثر ذريتك، وأجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك، فلما هبّ من نومه فرح بما رأى. 

 

ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبد الله عز وجل، وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره، ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به، وسمى ذلك الموضع بيت إيل أي بيت الله، وهو موضع بيت المقدس اليوم، الذي بناه يعقوب بعد ذلك وقالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران، إذا له ابنتان، اسم الكبرى ليا، واسم الصغرى راحيل، وكانت أحسنهما وأجملهما، فطلب يعقوب الصغرى من خاله، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين، فلما مضت المدة على خاله لابان، صنع طعاما وجمع الناس عليه، وزف إليه ليلا ابنته الكبرى ليا، وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر، فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا، فقال لخاله لقد غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل، فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى، فإن أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزوجكها، فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها، وكان ذلك سائغا في ملتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة، وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ، لأن فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته، لأنه معصوم، ووهب لابان لكل واحدة من ابنتيه جارية، فوهب لليا جارية اسمها زلفى، ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى.