طريق الاسلام ومع طالوت وجالوت ” الجزء الأول “

45

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

إن فضل الله تعالى على العالمين عظيم، إذ لو لم يُشرع قتال الظلمة والمشركين لفسدت الأرض باستعلاء الكفر وانتشار الظلم، والله تعالى لا يرضى بالظلم، بل شرع دفع الظلم ومقاومة الظالمين لمنع ظلمهم، وتقليم أظفارهم، والأخذ على أيديهم كيلا يتمادوا في ظلمهم فيعُمّ الفساد في الأرض، ولا بد من مقاومة الفساد وإزالته من أجل إصلاح الحياة لجميع البشر مؤمنين وغير مؤمنين، إنها سنة المدافعة، فماذا لو لم يتم قتل جالوت هذا الكافر العنيد المتجبر الظالم؟ إنه سيفتن المؤمنين، وسينشر الفساد في الأرض، ثم ماذا لو لم يقاتل المسلمون في بدر، ويصدوا جيش قريش الذي تحرك متوعدا، وخرج بطرا ورئاء الناس ليصد عن سبيل الله ويقتل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه؟ وماذا يفعل المسلمون وقد علموا أن أبا جهل قد خرج إليهم متوعدا ومقسما ألا يرجع حتى يقتل محمدا ويقيم حفلا ساهرا ترقص من حوله الراقصات، وتتمايل عليه المغنيات، ويشرب الخمر ويروح في سكرة لا يفيق بعدها حتى لا يحسّ بألم القتل وقطع الرأس في نهاية محتومة مقدرة؟ فهل يترك المسلمون المشركين يحصدونهم حصدا ويدخلون المدينة فاتحين رافعين أعلام هُبل واللات والعزى؟ وهل يستسلم المسلمون للذبح؟ أم يقاتلون دفاعا عن عقيدتهم ودينهم وأرضهم؛ ليكون الدين لله وكيلا تكون فتنة؟ كان هذا هو أمر الله وإرادته النافذة، وإن ملخص قصة طالوت وجالوت كما وردت في ألقرآن ألكريم في سورة ألبقره، قال الله تعالى.

” ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين، وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم، وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين، فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض ولـكن الله ذو فضلٍ على العالمين، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين” فإن بعد وفاة نبى الله موسى عليه السلام، تعاقب على بني إسرائيل عدد من الأنبياء، وبعضهم كانوا ملوكا عليهم.

وقد أهمل بنو إسرائيل التمسك بتعاليم التوراة، وعبدوا الأصنام، وأخذ منهم التابوت الذي تركه لهم نبى الله موسى عليه السلام فيه سكينة من الله عز وجل، وألواح التوراة وبعض الأشياء الأخرى، من بعض القبائل، وساءت أحوالهم، وكان بينهم نبي طلبوا منه أن يسأل الله أن يبعث لهم ملكا لكي يقاتلوا بدلا مما يعانوه من إهانة وتشريد، فسألهم النبي إن كانوا حقا سيقاتلون، فقالوا له نعم سنقاتل، وكيف لا نقاتل وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، لكن كعادتهم لم يصدقوا مع الله عز وجل، وهنا علمان على شخصين أحدهما كافر والآخر مؤمن، وهما طالوت وجالوت، وقد ذكرهما الله عز وجل في سورة البقرة، ولم يكرر ذكرهما في أي سورة أخرى، والله تبارك وتعالى أحيانا يريد أن ينبه على الأشخاص وأحيانا يريد أن ينبه على الأحداث، فإذا أراد أن ينبه على الأحداث أغفل ذكر الأشخاص ولو كانوا عظماء، وإذا أراد أن ينبه على الشخص ذكر الشخص ولو لم يكن عظيما، وإذا أراد أن ينبه على الأمرين ذكر الله عز وجل الشخص والحدث، وهنا قال الله تعالى ” ألم تر إلى الملإ من بنى إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم” وقوله تعالى “لنبي” هو نكرة، ولم يذكر اسم ذلك النبى لأنه ليس المقصود حوار أولئك القوم مع ذلك النبى، وإنما المقصود الحدث التاريخي، وبنو إسرائيل مكثوا في أرض التيه أربعين عاما، وخلال هذه الأربعين مات نبى الله هارون ثم مات نبى الله موسى عليهما السلام، ثم عهد نبى الله موسى بأمر النبوة من بعده إلى يوشع بن نون فتاه، ثم مكثوا سنين طويلة.

أخر المشاركات

وخلال هذه السنين الطويلة كان العماليق يحاربون بني إسرائيل ويتعرضون لهم، فكان الإنهاك والقتل في بني إسرائيل أكثر، فلما شعر بنو إسرائيل بالضعف لجئوا إلى نبي لهم وقيل إن اسمه شمعون وقيل إن اسمه شوميل، وقيل إن هذين الاسمين لرجل واحد، وهو الأظهر، فسألوه أن يبعث الله لهم ملكا يقودهم لأن الناس لا يمكن أن يجاهدوا أو يحاربوا أو يسوسوا أمرهم بدون شخص يأتمرون به، فهذا أمر خلاف العقل، وقال السعدي رحمه الله في تفسيره “يقص الله تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فقالوا له” ابعث لنا ملكا” أى عين لنا ملكا ” نفاتل فى سبيل الله” ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة ” قال” لهم نبيهم ” هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا” أي لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا ” وما لنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا” أى أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه.

بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوى توكلهم على ربهم “فلما كتب عليهم القتال تولوا” فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن “إلا قليلا منهم” فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال ” والله عليم بالظالمين، وقال لهم نبيهم” مجيبا لطلبهم ” إن الله قد بعث طالوت ملكا” فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا ” أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال” أي كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه، ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم “إن الله اصطفاه عليكم” فلزمكم الانقياد لذلك ” وزاده بسطة فى العلم والجسم” أى فضله عليكم بالعلم والجسم، أى بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر.

فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا “والله واسع” قهو تعالى الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك ” عليم” بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد، ثم ذكر لهم نبيهم أيضا آية حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه زمانا طويلا وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة له وهم يرونه عيان، وأما عن الملك شاؤول أو الملك طالوت كما ورد في القرآن الكريم بسورة البقرة، كان هو أول ملك لبني إسرائيل وهو أحد شخصيات العهد القديم، وهو من سبط بنيامين بن يعقوب عليهما السلام، وقد اختاره النبي صموئيل بأمر من الله تعالى بعد أن طلب منه بنو إسرائيل ملكا يقودهم في الحرب وانتقدت بنو إسرائيل اختيار النبى صموئيل لطالوت لأنه لم يكن ثريا، وقد وبخ النبى صموئيل بني إسرائيل، وقاد طالوت بني إسرائيل إلى الانتصار على جيش جالوت الذي قتل على يد داوود، ولم يكن طالوت نبيا، وقد حكم من قرابة عام ألف إلى عام ألف وعشرين قبل الميلاد، وكان بنو إسرائيل مقسمين إلى قبائل عدة وحكامها كانوا يسمون بالقضاة.

وقد انتشرت بينهم الحروب والنزاعات مما سمح للشعوب الأخرى بغزو فلسطين، فطلب بنو إسرائيل من نبيهم صموئيل أن يختار لهم ملكا فعيّن عليهم الملك شاؤول الذي أصبح ملكا على إسرائيل، وقد اصبح بعده النبي داوود عليه السلام ملكا، وقد ظل بنو إسرائيل بعد مجيئهم إلى فلسطين بعد نبى الله موسى عليه السلام، وتعرضوا في تلك الفترة لغزوات الأمم القريبة منهم كالعماليق، وأهل مَدين وفلسطين والآراميين وغيرهم، فمرة يَغلبون وتارة يُغلبون، وقد كان العبرانيون في حرب مع جالوت وجيشه، فغلبهم جالوت وأخذ تابوت العهد منهم وهو التابوت أى الصندوق الذي فيه التوراة أي الشريعة، فعز عليهم ذلك لأنهم كانوا يستنصرون به، وعندما طلبت بني إسرائيل من نبيهم صموئيل ملكا من بعد نبى الله موسى عليه السلام اختار لهم الله طالوت، ولكن بني إسرائيل لم تجده جديرا بالعرش، لأنه كان طالوت ذو بسطة في علمه وبنيته، فاخبرهم النبى صموئيل أن الدليل المادي على ملكه هو عودة التابوت الذي أخذه منهم العماليق إليهم، وأن الملائكة تحمله إلى بيت طالوت تشريفا وتكريما له، فرضوا به، وقد قام طالوت بتكوين الجيش وجمع الجنود لمحاربة العماليق بزعامة أو إمارة جالوت الجبار الذي كان قائدهم وبطلهم الشجاع الذي يهابه الناس، وتم فعلا اختيار سبعين أو ثمانين ألفا من شباب بني إسرائيل، وخرج معهم لقتال الأعداء، ولكن حكمة القائد طالوت ومعرفته بهم وتشككه في صدقهم وثباتهم دفعته إلى اختبارهم في أثناء الطريق وفي وقت الحر بالشرب من نهر بين فلسطين والأردن.