فى طريق الاسلام ومع الأشتر النخعى ” الجزء السادس “

31

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السادس مع الأشتر النخعى، وهو مالك بن الحارث النخعي، وقد توفنا عند عودة الأشتر من موقعة الجمل، وله في إحراز النصر سهم كبير، وهكذا، تسكن عاصفة موقعة الجمل، ولكن لتهب بعدها عاصفة موقعة صفين وها قد عبأ معاوية لهذه الحرب الجند، وجيّش الجيوش، واستعمل المال لمن يسيل لعابه لمرأى المال، ووعد بالمناصب من لهم بها مطمع، وتوعَّد أعداءه بجيشٍ جرّار أوّله في العراق وآخره في الشام، وقبل تصادم الجيوش في ساحة الوغى، تثور بينه وبين الإمام علي كرم الله وجهه حرب الرسائل، فكانت من رسائل الإمام علي كرم الله وجهه إلى معاوية بن أبي سفيان، فكلماتها نصال قواتل، فيقول رضى الله عنه إلى معاوية فأنا أبو حسن قاتل جدك وأخيك شدخا يوم بدر، وذلك السيف معي وبذلك القلب ألقى عدوي، ما استبدلت دينا، ولا استحدثت نبيا، وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين، ودخلتم فيه مكرهين وأما طلبك إليَّ الشام، فإنى لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما قولك ” إن الحرب قد أكلت العرب الا حشاشات أنفس بقيت” ألا مَن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فإلى النار، وأما استواؤنا، أي تعادلنا في الحرب والرجال.

فلست بأمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا، من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك ” إنا بنو عبد مناف ” فكذلك نحن ولكن، ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبدالمطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح أي ذو الحسب والأصل، كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا المؤمن كالمُدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم، وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبدالمطلب عن الأعداء ناكلين، أي هاربين، وبالسيف مخوفين؟ وأنا مُرقل، أي زاحف نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، وقد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد” وبعد ذلك يلتقي الجيشان في صفين، وينظم الإمام على رضى الله عنه، جيشه، فيسند قيادة الخيّالة إلى مالك الأشتر، أما الرجّآلة فعليهم عمار بن ياسر، وتبدأ المعركة بالمبارزة، ويُقتل فيها الفارس، وتتطور إلى مناوشات ويُقتل فيها بضع عشرات من الجنود.

وتنتهي بالتحامات، تتقصف فيها رماح، وتتكسر سيوف وتبلغ المعركة أوجها وهى ما سميت ليلة الهرير، وكان الأشتر في الميمنة، وعبد الله بن عباس في الميسرة، وفي القلب الإمام على رضى الله عنه، وكانت ليلةً طحنت من الفرسان آلاف وقد بلغ فيها القتل والقتال ذرويتهما أما النتيجة فسجال، إذ لا منتصر ولا منهزم، ولا يقبل الأشتر ذلك، أو يرضى به، فيطلب إليه فرسان قبيلته بني مذحج، فيأتونه ملبّين، ويصيح فيهم كيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصياح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران والذي نفسي بيده، ما من هؤلاء وأشار إلى أهل الشام، رجل على مثل جناح بعوضة من دِين، ويكر ويكرون، فلم يقصد كتيبة إلا كشفها أي هزمها ولا جمعا إلا حازه، وما زال ذلك دأبه حتى أوشك أن يصل إلى السرادق الذي فيه معاوية وعمرو بن العاص، ودعا معاوية بفرسه فركبها، يطلب لنفسه النجاة، ثم طأطأ برأسه قليلا، يفكر، ولمح وزيره عمرو بن العاص يرميه بنظرات حداد، فيها من المعاني ما فيها، فترجّل عن الفرس وعاد، وعند ذلك قال عمرو اليوم صبر، وغدا فخر وعند ارتفاع ضحى الجمعة، يترجّل الأشتر عن صهوة جواده.

ويزحف بأصحابه نحو الأعداء زحفا شاقا، بطيئا، وكأنه يخوض في غابة من السلاح، فأهل الشام مستميتون دفاعا، ويشجع الأشتر أصحابه بقوله إزحفوا قيد هذا الرمح، ويتم له ذلك، ثم يقول إزحفوا قيد هذا القوس، فإن فعلوا سألهم مثل ذلك، ويضيق مالك بذلك ذرعا، وكذلك أصحابه يضيقون، إن حربا بطيئة كهذه لَتزلزل الأعصاب، فيعتلي جواده، ويصيح بمن حوله من يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر؟ فاجتمع له خلق كثير، وسلم الراية لحيَّان النخعي، وصاح شدوا شدَّة، فدى لكم خالي وعمى ترضون بها الرب وتعزون بها الدين، ثم نزل، وضرب وجه دابته، وقال لصاحب رايته أقدم بها، وحمل على القوم يقاتل كالأسد الهصور، فلما رأى الإمام على رضى الله عنه، تقدّمه أمدَّه بالرجال، فتقدم بهم، لا يثنيه شيء ولاح النصر إلى جانب الإمام على رضى الله عنه، وأصحابه، وبان الانكسار في معسكر أهل الشام، وارتسمت على وجوههم علائم الخذلان المبين، وإذا بالمصاحف، يرفعها أهل الشام على أسنة رماحهم، قائلين هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فتتوقف فئة من جيش الإمام على رضى الله عنه، عن القتال، يطلبون من الإمام وقف القتال.

فكيف يقاتلون من يطالبهم بالاحتكام إلى القرآن، والنزول على أحكامه ؟ فيجيبهم الإمام على رضى الله عنه، إنها كلمة حق يُراد بها باطل ويأمرهم بمواصلة القتال حتى النصر أو الشهادة، وها هو الأشتر يوغل في صفوف الأعداء قدما، فيمزقهم تمزيقا، ويزيحهم عن مواقعهم، فيتراجعون القهقرى، ويصرون على إيقاف القتال، وعلى دعوة الأشتر للكف عن متابعة الزحف، وينقسم عسكر الإمام على رضى الله عنه، وتدب الفتنة بين صفوفه، فخيار الجند، وأكثرهم صلاة، وأشدهم عبادة، قد تمردوا على إمامهم، في أشد الساعات حرجا، فياله من جيش، كل فرد فيه قائد، ولا يجد الإمام على رضى الله عنه، بُدا من الطلب إلى الأشتر بالعودة، ويرسل إليه، الإمام على رضى الله عنه، رسولا يحمل إليه طلبه، بالعودة والكف عن متابعة الزحف، ويفاجأ الأشتر بذلك فيتباطأ، ثم يرسل له رسولا آخر يقول له ” أقبل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت ” ويرى الأشتر بأن مكيدة الأعداء قد انطلت على أصحابه، وإنها لفعلة عمرو بن العاص الداهية، فيقول للرسول الذي أنصت ينتظر جوابا ألا ترى إلى الفتح ألا ترى ماذا يلقون ؟ وعندما علم بأن الإمام أصبح بين يدي المتمردين من جيشه كالرهينة.

وعاد إليه على عجل، ويقبل الأشتر، فإذا بالقوم مجتمعون حول الإمام على رضى الله عنه، وبعينين تقدحان شررا، ينظر إلى هؤلاء الخارجين على أرادة إمامهم ورأيه، وقد فرضوا رأيهم عليه فرضا، ويدور بينه وبينهم هذا الحوار الملتهب، فيقول الأشتر ” يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم، وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وهم والله قد تركوا ما أمر الله به، فيها، وسنة من أنزلت عليه، فأمهلوني فواقا ” وهي المدة ما بين حلب الناقة وحلبها ثانية” إنها في حدود الساعتين تقريبا، فإني قد أحسست بالفتح، قيرد عليه الخارجون لا، فيقول الأشتر النخعى أمهلوني عدو الفرس، فإني قد طمعت بالنصر، فيرد عليه الخارجون إذن ندخل معك في خطيئتك، فيقول الأشتر، خبّروني عنكم، متى كنتم محقين؟ أحين تقاتلون وخياركم يُقتلون، فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الآن محقون وقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم، وهم خير منكم، في النار؟ فيقول الخارجون دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله، وندع قتالهم لله، فيقول الأشتر يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقا إلى لقاء الله.