فى طريق النور ومع زواج الشغار ” الجزء الثانى “

48

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع زواج الشغار، وهو زواج البدل بشروط من غير مهر، وينبغي أن يلاحظ في المستقبل بأن لا يعقد نكاحا فيه مبادلة، سواء ذكر فيه مهرا أم لا، لقوة القول بفساده، لما فيه من فساد عظيم، لأنه يفضي إلى إجبار النساء على نكاح من لا يرغبن فيه، إيثارا لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء، وهذا، كما لا يخفى أنه لا يجوز، لأنه يؤدي أيضا إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن، كما هو الواقع بين غالب الناس المتعاطين لهذا الأمر، كما أنه يفضي إلى كثير من النزاع والخصومات بعد الزواج، وإن الذي ينبغي التنبه إليه في مسألة الشغار الذي قد يخفى على كثير من المسلمين وضوح إِشكاله من حيث القصد والنية فيه، ومن حيث الحكمة في تحريمه أيضا، والتي هي خافية أيضا على الغالبية العظمى، وإن من المسائل المنكرة في النكاح ما يفعله بعض الناس في إجبار ابنته أو أخته أو بنت أخيه أو من له ولاية عليها على الزواج ممن لا ترضى بنكاحه، وذلك منكر ظاهر وظلم للنساء، لا يجوز للأب ولا لغيره من الأولياء أن يفعله ويقدم عليه، لما فيه من الظلم الواضح للنساء ومخالفة السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في النهي عن تزويج النساء إلا بإذنهن.

وقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن” وقالوا، يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال صلى الله عليه وسلم “أن تسكت” وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، قال “والبكر يستأذنها أبوها، وإذنها، صماتها” وإنه يُستثنى من هذا تزويج الأب فقط لابنته التي لم تبلغ تسع سنين بالكفء إذا رأى المصلحة لها في ذلك بغير إذنها، لكونها لا تدرك مصالحها إذا كان ذلك فعلا في مصلحتها وليس ذلك لأحد ممن له ولاية عليها إلا للأب، مع أن بعض الآباء ممن لا يقدرون مصالح بناتهم ليس لهم تزويج بناتهم في هذه السن ولا في غيره بغير إذنهن، حيث هم داخلون في عموم الأحاديث السابقة، أما الأَب المقدر والمحترم مصالح بناته فإن له ذلك، بدليل تزويج أبى بكر الصديق رضي الله عنه، ابنته السيدة عائشة رضي الله عنها، للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين ولم يدخل بها الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا في التاسعة من عمرها رضي الله عنها وعن والديها.

وقد جاء في الصحيحين مما روته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعا، وإن من الأمور والمسائل المنكرة ما يفعله بعض الناس في الحاضرة والبادية من حَجر بنت العم ومنعها من الزواج بغير ابن عمها، والتهديد والوعيد بفعل كذا وكذا، وكذلك إجبار بعض الأولياء للنساء على الزواج ممن لا يرضين به من القرابة أو من غيرهم، وكذلك ظلم بعض الناس لبناتهم ومولياتهم، حيث يمنعونهن من الزواج ممن يتقدم لهن من الأكفاء في الدين ويرغبن هن في الزواج منهم، يمنعونهن حقهن في ذلك بحجة الطبقية الجاهلية الممقوتة في الإسلام، وكل ذلك ظلم واضح للنساء يأثم به من يُقدم عليه ويقوم به، وبذلك تقع الفتن والمشاكل والشحناء والخصومات وقطيعة الرحم، بل قد تصل إلى سفك الدماء وغير ذلك، فالواجب على المسلم أن يخاف الله تعالى ويحذر بشطه ونقمته، وعليه أن يحذر من الوقوع في ذلك ويحذر أقاربه وغيرهم من المسلمين من عواقب مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وعليهم أن يستأذنوا النساء عند تزويجهن.

ولا يزوجوهن إلا برضاهن، كما يجب عليهم أن ينظروا في مصالح النساء وليس في مصالحهم، وأن لا يزوجوهن إلا بالأَكفاء دينا وخُلقا بعد إذنهن، حتى تبرأَ ذممهم ويسلموا من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة، ومما ينبغي التنبيه إليه في نكاح الشغار هو عن حال من لم يقدم عليه أو أقدم ولكن لم يتم الزواج حتى الآن أو وقع فيه، أما من لم يقدم عليه أو أقدم ولكنه في مراحله الأولى قبل الزواج فإن عليه الابتعاد عن ذلك، لما سبق ذكره والكلام عنه، وأما من وقع في الشغار وخاصة مع وجود الأولاد منهما أو من أحدهما فإن عليهم أن يجددوا العقدين إذا رضيت كلتاهما بذلك، أو إحداهما رضيت والأخرى لم ترضى فإنه يُجدد لمن رضيت، ولا حاجة للمأذون الرسمي أو إثبات ذلك رسميا، بل متى حصل الولي والشاهدان والإيجاب بعد القبول من الزوجين والزوجتين، أو رضيت إحدى الزوجتين بزوجها ولم ترض الأخرى، وكذلك دُفع المهر فعلا لكل منهما، أو لمن رضيت منهما، فمتى حصل ذلك واتفق الجميع على إلغاء الشروط الأولى، فمن رضيت فإنها تبقى مع زوجها، والتي لم ترض وظهر أنها مُكرهة في العقد الأول ولا ترغب الاستمرار مع زوجها فلها الانفصال عنه حيث إن العقد الأول لاغى وباطل.

ويُجدد العقد للتي رضيت، أما الأولاد فهم أولاد رشد يُنسبون إلى آبائهم لأنهم وُلدوا في نكاح اعتقد صحته الآباء والأولياء والشهود، وهذا كلام ” بن باز ” وفى النهاية نقول إذا كان هناك بدل أو شرط التبديل فإن العلة التي من أجلها نهي عن الشغار موجودة ولو سمي المهر، لأن هذا الشغار وسيلة إلى ظلم النساء والتعدي عليهن، وإجبارهن على النكاح بمن لا يرضين من أجل مصلحة الأولياء وأولاد الأولياء، فالصواب الذي نفتي به ونعتقد أنه الحق أن عقد الشغار باطل مطلقا، ولو سمي فيه مهر مكافئ، والواجب على من فعله أن يجدد النكاح، وإذا كانت لا تريده المرأة وجب عليه فراقها بطلقة واحدة، وأما إذا كانت تريده والأخرى تريد زوجها فلا مانع من تجديد النكاح بعقد شرعي ومهر شرعي ليس فيه اشتراط المرأة الأخرى في كلا العقدين، فيجتنبها ويبتعد عنها حتى يجدد النكاح بحضرة شاهدين بولي ومهر جديد إذا كانت ترغب فيه وهو يرغب فيها، أما إذا كانت لا ترغب فيه فإنه يطلقها بطلقة واحدة طاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وحذرا مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا الشغار، أو ما يسميه الناس بزواج البدل فقد جاءت الشريعة الاسلامية بتحريمه والنهي عنه لما فيه من ظلم للمرأة.

وهضم لحقها، وتلاعب بمسؤولية الولاية، وإن الزواج على سبيل البدل له ثلاث صور، فالأولى هى أن يتزوج كل واحد منهما من قريبة الآخر ومن هي تحت ولايته، دون اشتراط أن يكون زواج أحدهما مبنيا على زواج الآخر ومتوقفا عليه، ومع وجود مهر مقرر لكل منهما، فهذه الصورة ليست من نكاح الشغار، ولا حرج فيها، أما إن خطب هذا مولية هذا، وخطب الآخر موليته، من دون مشارطة، وتم النكاح بينهما برضى المرأتين مع وجود بقية شروط النكاح، فلا خلاف في ذلك ولا يكون حينئذ من نكاح الشغار ، وأما عن الثانية وهو أن يتم الزواج بشرط أن يزوج كل واحد منهما موليته من الآخر، مع عدم وجود مهر لهما، بحيث يكون بُضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الأخرى، فهذه الصورة من الشغار المنهي عنه في السنة النبوية باتفاق العلماء وأما عن الثالثة وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته أو من هي تحت ولايته، بشرط أن يزوجه الآخر ابنته أو موليته، لكن مع وجود مهر لكل منهما، سواء كان متساويا أو مختلفا، فهذه الصورة محل خلاف بين العلماء، فذهب بعض العلماء إلى أن هذه الصورة تدخل في الشغار المنهي عنه أيضا، وأن وجود الشرط كافى في جعلها من نكاح الشغار، وهو قول الظاهرية.

واختاره بعض العلماء من الشافعية والحنابلة، وقول العلماء إذا زوجه وليته، على أن يزوجه الآخر وليته، فلا نكاح بينهما، وإن سموا مع ذلك أيضا صداقا وفى النهايه رأى ابن باز رحمه الله تعالى ” إذا زوّج الرجل موليته لرجل، على أن يزوجه الآخر موليته فهذا هو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي يسميه بعض الناس نكاح ” البدل ” وهو نكاح فاسد ، سواء سمّي فيه مهر أم لا ، وسواء حصل التراضي أم لا ” وأيضا إن قال الرجل له زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتى بمائة، أو قال بخمسين، فلا خير فيه، وهو من وجه الشغار، ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدة منهما الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق فيه، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ” إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج ، وهو كفء لها، فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا، فإن هذا لا بأس به، لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملا، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر، فشرط عليه أن يزوجه، فظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة، فلا مانع، ومع القول بصحة العقد في هذه الصورة، إلا أنه لا ينبغي سلوك هذه الطريق في الزواج .