فى طريق الهدايه ومع فضل الحديث ” الجزء السادس “

74

إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السادس مع فضل الحديث، وإن من أهم الفروق بين الحديث النبوي والحديث القدسي، هو أن الحديث القدسي ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، أما الحديث النبوي فلا ينسبه إليه صلى الله عليه وسلم، وأن الأحاديث القدسية أغلبها يتعلق بموضوعات الخوف والرجاء، وكلام الله تعالى مع مخلوقاته، وقليل منها يتعرض للأحكام التكليفية، أما الأحاديث النبوية الشريفه فيتطرق إلى هذه الموضوعات بالإضافة إلى الأحكام، وأيضا الأحاديث القدسية قليلة بالنسبة لمجموع الأحاديث أما الأحاديث النبوية الشريفه فهي كثيرة جدا، وأيضا الأحاديث القدسية قولية فقط والأحاديث النبوية قولية وفعلية وتقريرية، وقد ذكر العلامة ابن حجر الهيثمي أن عدد الأحاديث القدسية المروية يتجاوز المائة، فقال “إن مجموع الأحاديث القدسية المروية يتجاوز المائة، كـما أن بعضهم جمعها في جزء كبير ومن الأمثلة على الحديث القدسي، هو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضى الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله يقول، أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني” وما رواه الترمذي عن معاذ بن جبل رضى الله عنهم أجمعين قال ” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” قال الله عز وجل، المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء”

وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” قال الله تعالى، ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره” ويجب علينا جميعا أن نعى جيدا علم الحديث فإن أول الخواطر التى يتعلق بها علم الحديث وأثره على تطور الحضارة عموما، وتطور فهمنا لاتجاهاتها، فان ما بذله المسلمون منذ القرن الثاني لظهور الإسلام، كان الأساس للوعي التاريخي الذي ميّز المجتمعات البشرية منذ ذلك الوقت، ثم تطور هذا الوعي منذ القرن الرابع عشر الميلادي وهو عصر بن خلدون، جعل التاريخ علما، له أصوله وقواعده ومناهجه التي نفهم في ضوئها الماضي، ونعي الحاضر ونستشرف المستقبل، ولعل أول المسائل التي واجهت علماء الحديث، فضلا عن التحقق من الأمانة في رواية الحديث النبوي الشريف، وهي مسألة اختيار ما يجب الحفاظ عليه من أحداث السيرة النبوية الشريفة، فكل واقعة أو حدث أو قول للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم جديرة بالحفظ ثم الرواية فالرسول صلى الله عليه وسلم، هو خير الناس في كل ما يقول ويعمل ويقرّ ويمنع، أدّبه رب العالمين ليكون قدوة للناس كافة ” فكان خلقه القرآن ” كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها فكل ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

جدير بالاتباع، ومعرفة الحكمة منه سعي مشكور، وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الموقف الذي هو من صلب الدين والتدين إلى جمع كم هائل من الوقائع والأحداث عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل الحجاز، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، أو شهد حدثا، أو نقل اليه خبر عنه، حرص أن ينقله إلى من بعده، بل لعل البعض ادّعى أنه سمع قولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، طمعا في شهرة أو مكانة بين الناس، وأي شرف أعظم من أن يقال عن شخص إنه سمع أو شهد أو نقل خبرا ارتبط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن ما تجمع من الأحاديث والأخبار المتصلة بالرسول صلى الله عليه وسلم، والتي نسبت اليه، خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، أدى إلى تطورين أساسيين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، أما التطور الإيجابي فهو تسجيل تفاصيل دقيقة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، شملت كل صغيرة وكبيرة من تصرفاته العامة والخاصة، وهكذا أصبحت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم شخصية قريبة إلى كل مسلم يتذكرها ويتمثلها، ويحبها ويحاول الاقتداء بها، وكلما قربت شخصية المثل الأعلى من أتباعه زاد إعجابهم وتعلقهم بها، ولولا حرص النبي صلى الله عليه وسلم، وحرص القرآن الكريم على التأكيد على إنسانية الرسول صلى الله عليه وسلم.

أي كونه بشر مخلوق كسائر البشر، لظهر في الإسلام من يرفعه إلى مقام الألوهية، بل إن في تاريخ الفرق الإسلامية من ذهب هذا المذهب ولكن الدعوة الإسلامية التي لا تقبل التساهل بموضوع وحدانية الله عز وجل، خالق كل شيء وليس كمثله شيء، ولولا تأكيد القرآن الكريم على أن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ” بشر مثلكم يوحى اليه ” لكان لهذه المذاهب شأن أكبر في تاريخ الفكر الإسلامي، ثم إن ما اجتمع في الأدبيات الإسلامية من أخبار السيرة والأحاديث المنسوبة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ساعد على التقريب بين المُثل العليا وبين حياة الناس اليومية، ولولا ذلك لابتعدت المثل العليا عن حياة الناس ولأصبحت طموحا لا يمكن بلوغه أو نظرة غير واقعية وغير قابلة للتطبيق في حياة الناس فإن السيرة النبوية هي الجسر الرابط بين المُثل العليا والحياة، أي، بين هذه المثل والواقع، وهكذا أصبح الإسلام أقرب إلى مفهوم الناس وحياتهم، فقال الله تعالى قى سورة الفتح ” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ” ويقول أيضا سبحانه وتعالى فى سورة الحشر ” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ” فما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته وللمسلمين لا بد أن يطاع لأن قوله هو الحق والصدق، ولأنه مؤيد من عند الله تعالى، فليس بغريب أن يكون القرآن الكريم.

أول من أشار إلى القيمة الحقيقية للسنة المحمدية، وليس بغريب أن يكون القرآن الكريم وهو كتاب الله العظيم، أول ممجد لها، مؤيد لما جاء على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الله تعالى، أوكل لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، بيان أحكام القرآن للناس كافة فقال سبحانه وتعالى فى سورة النحل ” وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ” ويقول المولى سبحانه وتعالى مخاطبا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فى سورة النساء ” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ” ومن هنا كانت العلاقة وطيدة متكاملة بين كلام الله تعالى، وما يفسره ويوضحه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كان القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما المصدرين الرئيسيين للدعوة الإسلامية، وللتعاليم الإسلامية، للهداية الربانية، فهما مصدرين تشريعيين متلازمين، ولا يمكن لمسلم أن يفهم الشريعة إلا إذا رجع إليهما معا، ولا غنى لعالمٍ أو مفسر عن أحدهما، ولا يجرؤ أن يدعي هذا أحد إلا أن يكون جاهلا أو مُغرضا أو أحمق ذلك أن السنة الشريفة هي التي تفسر مُبهم القرآن، وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتشرح أحكامه وأهدافه.

كما أن هناك أحكاما عدة ثبتَت بالسنة لم ينص عليها القرآن الكريم وإن كانت تتماشى مع قواعده، وتحقق أهدافه وغاياته كتحريم أكل الحُمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمّتها أو خالتها، فكانت السنة التطبيق العملي لما جاء به القرآن الكريم، وإن لكل ذلك تقبل المسلمون السنةَ الشريفة، كما تقبلوا القرآن الكريم، تقبلوهما معا، وحفظوهما معا تنفيذا لأوامر الله، تقبلوا السنة وحفظوها، ولكن لم يكتبوها، تنفيذا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يختلط كلام الله مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي حكمته وهو أن يجنبهم، وهم حديثو العهد بالدين أن يختلط الأمر عليهم، ومع ذلك فقد كانوا من الحرص والوعى ما جعلهم يحفظون كل كلام على حدة، ويميزون بين كلامِ الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يتسرّب الشك أو يختلط الأمر، ذلك لأن العرب كانوا أهل حفظ وحفيظة، ما سمعوه حفظوه، وكل علومهم يومئذ تعتمد أكثر ما تعتمد على الحفظ والرواية، قبل أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، كتاب الوحيِ بتسجيل القرآن وكتابته، لذلك دُوّن القرآن، ولم تدوّن أغلب السنة، بل حُفظت في الصدور والقلوب بوصفها الجزء المتمم المفسر لكلامِ الله، والمصدر الثانى للتشريع الإسلامي، وتناقلها الأبناء عن الآباء التابعون عن الصحابة، لم يحد عنها أحد.

ولم يفكر مسلم في تَرك بعضها لأنها لم تذكر في الكتاب، بل الكل استجاب لتنفيذ أمر الله في اتباع سنة النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ونفذوا ذلك مخلصين طائعين، بل ووقَفوا من السنة المحمدية موقفا عظيما، وردوا على كل من فهم ذلك الفهم، وهكذا فإن الحديث هو كل كلام يُنقل بسند، يبين نسبة القول لصاحبه، فان كان منسوبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سمي حديثا نبويا، والحديث النبوي هو إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقل قول أو فعل أو صفة أو تقرير عنه، وهو يعدّ المصدر الثاني من مصادر التشريع ، وهو بمنزلة القرآن الكريم،حيث جاء القرآن آمرا بإتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن من سائل حفظ الحديث هو النية السليمة والخالصة لله عز وجل، وذلك بتعبد الله بحفظ حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو غاية الحصول على الأجر من الله وحده، من غير إشراك أي هدف آخر ومقصد من مقاصد الدنيا، وتقوى الله عز وجل، فهي أهم أسباب توفيق الله عز وجل للعبد بتحصيل العلم الشرعي، وذلك من قوله تعالى ” واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكلى شيء عليم ” وإن معرفة أهمية الحديث النبوي الشريف، ومنزلة حفظه عند الله تعالى، وعظيم أجره، فهذا يدفع المسلم للحفظ، ويزيد من جلده وصبره على الحفظ.