فى طريق الهدايه ومع فضل الحديث ” الجزء الخامس “

55

إعداد / محمـــد الدكــــرورى
ونكمل الجزء الخامس مع فضل الحديث، وإن من فضل التعظيم للحديث النبوى الشريف، والحرص على نقله، والتأسي به صلى الله عليه وسلم، في الدقيق والجليل، هو من أعظم علامات محبته صلى الله عليه وسلم، والمرء مع من أحب يوم القيامة، وقد جاء في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، متى الساعة ؟ قال صلى الله عليه وسلم، وما أعددت للساعة ؟ قال حب الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم، فإنك مع من أحببت” قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم، فإنك مع من أحببت، قال أنس فأنا أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم ” وإن أهل الحديث هم أولى الناس بهذا الوصف، ولذلك قال الشافعي” أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم، وكان يقول إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فإن أهل الحديث هم أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحِبوا، فعلم بذلك شرف أهل الحديث، وعلو مكانتهم في الدين، وأن الاشتغال بالحديث الشريف هو من أعظم الطاعات وأجل القربات ، فينبغي على المسلم أن يعتني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظا وفهما.

وتعلما وتعليما، وقد وردت الأدلة على الأجر في قراءة القرآن الكريم فهل هناك أجر في قراءة الأحاديث النبوية؟ نعم فإن قراءة العلم كله فيها أجر، فإن تعلم العلم وطلب العلم من طريق القرآن الكريم، ومن طريق السنة النبوية الشريفة، فيه أجر عظيم، فالعلم يؤخذ من الكتاب، ويؤخذ من السنة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم” خيركم من تعلم القرآن وعلمه” وقد جاء في قراءة القرآن الكريم أحاديث كثيرة، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم” اقرءوا القرآن، فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة” رواه مسلم، وقال ذات يوم صلى الله عليه وسلم “أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان وهو وادى في المدينة، فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا كلنا يحب ذلك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم” لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل” أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على فضل تعلم القرآن الكريم، وقراءة القرآن الكريم، وفي حديث ابن مسعود ضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم” من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها” وهكذا السنة الشريفة إذا تعلمها المؤمن، فقرأ الأحاديث ودرسها يكون له أجر عظيم، لأن هذا من تعلم العلم، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

” من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة” وهذا يدل على أن دراسة العلم، وحفظ الأحاديث، والمذاكرة فيها من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم” من يرد الله به خيرا يفقه في الدين” متفق عليه، والتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب، ويكون من طريق السنة، والتفقه في السنة من الدلائل على أن الله عز وجل أراد بالعبد خيرا، كما أن التفقه في القرآن الكريم دليل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة ولله الحمد، وما زال علم الحديث من أجلّ العلوم في الدراسات الإسلامية، وإنه تكفي الإشارة إلى فضل علم مصطلح الحديث وما لهذا العلم من فضل على تطور علم التاريخ، عند المسلمين أولا، ثم من خلالهم، على تطور علم التاريخ في العالم، فقد أدرك المؤرخون المسلمون، أن علم مصطلح التاريخ هو العلم الذي ينبثق منطقيا من علم مصطلح الحديث، فكما يلجأ علماء الحديث إلى قواعد للتحقق من صحة الأحاديث النبوية الشريفة ووقائع السيرة النبوية الشريفة، كذلك يلجأ علماء التاريخ إلى مثل هذه القواعد للتحقق من صحة ما يتناقله المؤرخون من أحداث الزمان، ولئن انبثقت عن علم مصطلح الحديث علوم متعددة، لعلها أهمها علم الرجال، كذلك وضع علماء التاريخ قواعد وأصول فروع علم التاريخ ونظريات في فلسفة هذا العلم اصبحت اليوم ذات أثر بالغ الشأن.

في تدوين وفهم الأحداث التاريخية واتجاهات المجتمعات الإنسانية في مختلف العصور والأصقاع في العالم، وقد قال الشافعي رحمه الله “سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة هى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجز أن يقال الحكمة هنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وحتم على الناس اتباع أمره، وأما في الحديث النبوي الشريف، فهناك طائفة كبيرة من الأحاديث الثابتة التي تصرّح بمكانة السنة في الشريعة، فمنها ما رواه البخاريقال عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ” كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى” قالوا يا رسول الله، من يأبى؟ قال صلى الله عليه وسلم “من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى” وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن العرباض بن ساريةقال “وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال صلى الله عليه وسلم “أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة”

وروى الإمام أحمدوأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان عن المقداد بن معد يكرب قال” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” ألا إني أوتيت الكتاب وما يعدله ويوشك بشبعان على أريكته يقول بيننا وبينهم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه وما كان فيه من حرام حرمناه، وإنه ليس كذلك” ومن ذلك أيضا ما أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري قال” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق” وما أخرجه البخاري ومسلم والنسائيوابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة وأحمد والحاكم وغيرهم عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم أبو ذر وأبو هريرة وعبد الله بن عمر “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله” وقد أجمع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وسائر علماء المسلمين من بعدهم على حجية السنة النبوية ووجوب التمسك بها، ونقل هذا الإجماع الإمام الشافعيفقال.

” أجمع الناس على ان من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، وقال ابن تيمية ” وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما ويتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عن الحديث القدسي فهو ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، أو هو كل حديث يضيف فيه النبي صلى الله عليه وسلم قولا إلى الله تعالى، وقد يكون بأي كيفية من كيفيات الوحي، كرؤيا النوم، والإلقاء في الروع، وعلى لسان الملك، أو من وراء حجاب، أو تكليما مباشرا، وقد يأتي في الحديث بعبارات مثل ” قال الله تعالى” أو ” يرويه عن ربه تبارك وتعالى” أو ” إن روح القدس نفث في روعي ” وهو كلام الله تعالى بالمعنى واللفظ للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الشريف الجرجاني” الحديث القدسي هو من حيث المعنى من عند الله تعالى ومن حيث اللفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ما أخبر الله تعالى به نبيه بإلهام أو بالمنام فأخبر صلى الله عليه وسلم، عن ذلك المعنى بعبارة نفسه فالقرآن مفضل عليه لأن لفظه منزل أيضا، وقال المناوي.

” الحديث القدسي إخبار الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم معناه بإلهام أو بالمنام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى بعبارة نفسه، وقال محمد عبد العظيم الزرقاني، أن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله تعالى على المشهور والحديث النبوي الشريف أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والألفاظ من الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبة الحديث إلى القدس وهو الطهارة والتنزيه، لأنه صادر عن الله عز وجل من حيث أنه هو المتكلم به أولا والمنشيء له، وأما كونه حديثا فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي له عن الله تعالى، وأما الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي، هو إن الفرق بين الحديث القدسي والأحاديث النبوية الأخرى أن هذه نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحكايتها عنه صلى الله عليه وسلم، وأما الحديث القدسي فنسبته إلى الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يحكيه ويرويه عنه سبحانه وتعالى، ولذلك قيدت بالقدس أو الإله، فقيل أحاديث قدسية أو إلهية، نسبة إلى الذات العلية، وقيدت الأخرى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل فيها أحاديث نبوية نسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانت جميعها صادرة بوحي من الله عز وجل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، ومصداقه قول الله في سورة النجم ” وما ينطق عن الهوى إن هو وحى يوحى ” .