قصة_قصيرة الليلة_الأخيرة

59

 

حسام جمال الدين

أخر المشاركات

عشــر دقائــق

اعطي لذي كل حق حقه

جميلة وأكثر

دقات الساعة تلك الليلة كانت تمر بطيئة متثاقلة ، تملؤ الجو برودة شتوية مباغتة ليس هذا موعدها ، تجبره على العودة للمنزل ، الساعة لم تتجاوز السابعة مساء ، يمضى فى طريق عودته يبدو مشتتا تائها ، لم ينشغل كما تعود بالمارة والناس ، لم يحاول تامل ما حوله طول طريقه ، يوقفه أحد أصدقائه كان قد مر بجانبه دون أن يلقى عليه التحية ، يناديه ، كأنما يوقظه من نوم ، يقف ، يبادره صديقه بالسؤال : مالك ؟ فيرد باقتضاب : شوية تعب الحمد لله ، لم يتعود صديقه عليه هكذا ، ينظر إليه شكا فى كلامه ، يمضى مودعا إياه بلهجة فيها الكثير من اللوم فقد كان ينتظر أن يقف معه بضع دقائق ليسأله عن أحواله كما تعود لكنه لم يفعل ، بستأنف طريقه متجاهلا كل ما حوله حتى ذلك المسجد الذى ينظر إلى قبته كلما مر عليه ، أو يلقى التحية على الجالسين على عتباته ، لم يحاول أن يرى من الجالس ولم يلق بالا ولا تحية ، يصل أخيرا إلى المنزل ، لماذا يشعر أن الطريق كان طويلا مملا ؟ ، يدخل ويلقى التحية على أمه الجالسة فى صالة المنزل ، لم يحاول النظر إليها بإمعان ، ستسأله وهى الوحيدة التى تدرك كل خلجة وكل تفصيلة من تفاصيله ، لا يريد أن يحملها همومه التى يضيق بها ، فقد شاخت وانحنت بعدما أفنت سنيها فى خدمته وإخوته ولم يبق سواه الكل رحل ، تزوج الجميع وذهب كل منهم فى وجهته ولم يبق سواه ، تجاوز الثلاثين بأربع سنوات ، ألحت عليه أمه كثيرا فى أمر زواجه ، ولكنه كان دوما يرد : النصيب بيدل زى ما بيقولوا ياأمة ، ويتركها قبل أن تكمل ما تريد قوله ، يدخل إلى غرفته ، يستلقى على ذلك المقعد القديم منهوكا ، متصدعا تتهاوى كل مقاومة يمتلكها ، كل هذه السنوات التى مرت ، كل الأحداث التى عصفت بحياته ، كل الذين قابلهم فى سنواته تلك منذ رحيلها ، لم تفلح فى أن تجعله ينساها ، طوال هذه السنوات لم يدر إلى أين رحلت ، ولم يحاول أن يعرف ، تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى بلد آخر ، لم يحاول أن يسأل أو يعرف ، لكنه ظل يحبها ، لم تستطع أى امرأة أن تأخذ مكانها فى قلبه ، حاول كثيرا ولكنه فى كل مرة كان يكتشف أنه يبحث عنها هى فى كل النساء التى حاول أن يوهم نفسه أنه يمكن أن يقع فى حب واحدة منهن ، كان يبحث عن صفاتها هى ، يبحث حتى عن ملامحها فى وجه كل فتاة حاول التقرب إليها ن حاول كثيرا أن يقتلع ذلك الحب من روحه وفشل ، فكر أن يتزوج ولكنه كان دوما يتخوف ألا يكمل ، كان متخوفا أن تسكن تلك الراحلة حياته الجديدة فكان يتراجع كل مرة ، وبقيت هى سره الذى لم يطلع عليه أحدا ، حتى أمه التى كانت تعرف عنه كل شيء ، يذكر تلك المرة الأخيرة التى تقابلا فيها ، لم يكن اللقاء طويلا كما تعودا ، تجلس أمامه فى المقعد نفسه الذى تعودا معا الجلوس إليه ، فى ذلك الطرف القصى من المدينة الصغيرة التى ما زال يقضى أيامه المملة فيها ، بعبوس وجمود تخبره أنه يجب أن ينسى ، خطبتها الأسبوع القادم ، انتظرت ما يكفى من الوقت ولم يعد هناك ما يجعلها ترفض كل طارق على بابها ، كان يشعر أن ذلك سيحدث منذ فترة ليست بعيدة ، كان ينتظر هذه اللحظة اليأس كان قد بدأ يداخلها من أحواله التى لا تتعدل ، حاول بكل ما فى طاقته ولكن ماذا سيفعل إن كان دخله الضئيل لا يسمح ، فبعد كل سنوات الدراسة ينتهى به المطاف موظفا فى إحدى الشركات ،يتقاضى راتبا يراه الجميع جيدا ولكنه لم يكن يحلم بذلك ، للأسف كان حلمه أوسع من واقعه الفقير ، كانت هى متطلعة طموحها مخيف ، كان يدرك أن طموحهاسيكون السبب الوحيد لتحطيم ما بينهما ، كان يحاول ولكنه أخفق ، وكانت تضغط حتى قررت الرحيل يئست منه وهو لم يعد لديه الطاقة للمواصلة ، لكنه ظل يحبها ، ظل يتذكر كل ما كان بينهما ، ذلك الحب الملعون الذى يمنعه من التقدم خطوة إلى الأمام ، توقف عن محاولة الطموح منذ رحلت ، توقف عن محاولة النهوض ، يقضى أيامه خاملا يتجرع خيباته ليلة بعد ليلة ، مستسلما للمرض الذى سكن روحه ، يتآكلها يوما وراء يوم وليلة وراء ليلة ، ينتظر غدا لن يأتى ، ويحيا مع أمس لن يعود 

اليوم فقط رآها بعد كل تلك السنوات العجاف ، يقرر أن تكون الليلة هى الليلة الأخيرة ……………….