قصة_قصيرة (كراكيب)

16

 

 

أخر المشاركات

عشــر دقائــق

اعطي لذي كل حق حقه

جميلة وأكثر

حسام جمال الدين

ممعنا فى صمته ، موغلا فى سكونه ، تقتات الذكريات على ساعاته المتبقية ، يقبع مستسلما تتقاسم الأوجاع ساعات ليله ، يلقى ببصره إلى السماء تلك التى علق أحلامه على أبوابها ، يقلب عينيه فى تلك السماء الشتوية التى تشيع البرودة فى كل أوصاله ، بينما هو تغلى بداخله ساعات الانتظار ، يمر الوقت بطيئا أو متباطئا ، كوب من الشاى يقبع بجواره منتظرا أن يرشفه وهو فى انشغال عنه بتلك اللحظات التى يحياها للمرة الأخيرة ، نعم هى المرة الأخيرة ، فلم تعد اللحظات متشابهة كما كان ، على الرغم من تسارع أحداث حياته فهو يشعر بالضيق والسأم ، ليس هذا ما يريد ، حلمه أوسع من ذلك ، تضيق عنه المساحة المتاحة له على أرض الواقع الصدئ المهترئ ، يبتسم ابتسامة باهتة تحمل من السخرية والحزن أكثر مما تحمل من المعانى المعتادة للابتسام ، كل الذين يعرفونه لا يعرفونه ، يجهلون ذلك الجانب الذى يتعمد دوما إخفاءه عنهم ، يبث الحروف مشاعره وانفعالاته وفكره ، ينفث دخان سيجارته متأملا فى اشتعالها وذلك الدخان المتطاير يصنع أشكالا متعددة ثم لاشيء كأحلامه التى تتطاير مع الساعات والسنوات ، عام جديد على الأبواب ولا جديد فى أرض يعيش فيها مرغما أن يكون غير مايريد أن يصير إلى ما لا يتمنى ، تتسارع خطا عمره نحو أيام لا يدرى منتهاها ، تجاعيد حول عينيه تخبره أنه شاخ ، تخبره أن أيامه قاحلة تصحرت ولن يعود إليها الحياة على الأقل ليس فى القريب عودتها ، يحاول أن يجوب الغرفة حتى يتخلص من برودة الجو ، يحاول أن يطرد عن نفسه وعن روحه تلك السحابات الممضة المرهقة من حزن هو مرغم عليه وكاره له ، يفتش فى خزانة ذكرياته عن أى ذكرى تتيح له لحظة من سعادة وإن كانت زائفة ، تلك الخزانة المملوءة بذكريات وامنيات وأحلام مازالت هناك ، يتذكر ماضيا كان أرحب وأرضا كانت أكثر حنوا عليه منحته قبلا جمالها طوعا وسماء أكثر صفاء ورحابة ، كل ذلك لم يعد ، تلك الأرض التى استحالت غابة ترهق الروح فيها بحثا عن شمس كانت هنا يوما ثم توارت أو رحلت لايدرى فهو لم يعد يراها ، عن جمال كان هنا ثم اختفى ، ذلك الممشى بين البيت والحقل الذى أودعه الكثير ، ضيقا كان ذلك الممشى تحوطه الأشجار من الجانبين مائلة كأنما تتعانق حانية عليه كأنها تحميه وتحرسه ، تلك النخلة التى كانت تقبع فى وسط الحقل وكم حلا له أن يجلس تحتها ويتمدد طالبا بعض الراحة الصامتة فى ظل جمال يحوطه من كل جانب أينما تلفت ، شوق يعصف به إلى ذلك الممشى وتلك النخلة ، اختفى كل ذلك واختفت معه كل لحظات الراحة التى كان ينشدها هناك ، فى الخزانة تقبع صور لرفاق كانوا هنا يوما ثم رحلوا ، لماذا يرحل الجمال من حياته ؟! لماذا تصير الحياة كئيبة ضيقة؟
يستلقى على الفراش مغمضا عينيه منتظرا حلما جديداسوف يحل غدا ضيفا دائما فى خزانة الذكريات