مؤذن الرسول بلال بن رباح ” الجزء الرابع “

43

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع الصحابى الجليل بلال بن رباح، وقد توقفنا عندما رآه النبى صلى الله عليه وسلم وهو معتزلا فى الغار مع أبي بكر رضى الله عنه، فناداه وطلب منه اللبن، فأخبره أنه ليس معه إلا شاة واحدة، فطلب منه أن يأتى بها فحلبها النبى صلى الله عليه وسلم وشرب حتى ارتوى، ثم سقى أبا بكر وبلال رضى الله عنهما منها، فكانت الشاة أنشط مما كانت عليه، فدعاه النبى صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلم، وبقى يأتى إلى نفس المكان لمدة ثلاثة أيام يتعلم الإسلام فمر أبو جهل بعبد الله بن جدعان وأخبرهم أن غنمهم أصبحت تنمو منذ ثلاثة أيام، وأن بلال يذهب لمرعى ابن أبي كبشة، فمنعوا بلال من الذهاب إلى المكان، ودخل ذات يوم الكعبة، فالتفت فلم ير أحدا من قريش، فبصق على الأصنام وقال “خاب وخسر من عبدكن” فعلمت قريش بذلك، فهرب بلال إلى دار سيده عبد الله بن جدعان بعد أن طلبته قريش، فأخرجه عبد الله لهم، وأهداه لأبى جهل وأمية بن خلف ليفعلوا به ما يشاؤون، فإنها سيرة أخرى من سير الصحابة الكرام.

وموقف آخر من مواقف التضحية والعزة والمجد وتفضيل الدين على الدنيا، ذلكم الصحابى الجليل الذى فاق بشديد سمرته الآفاق، وضربت لها فى الجنة الجبال الشهاق، ذلكم الصحابى الذي بلغ من الشرف فى الدين الأعناق، ذلكم الصحابى مثال التواضع تواضع فرفعه الله تعالى في الدين، ورفعه بالتواضع لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه اليه، إلا ويحني رأسه ويغض طرفه ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل “إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا” إنه بلال بن رباح مؤذن الاسلام، ومزعج الأصنام الحبشى إنه بلال بن رباح رضي الله عنه وارضاه من المبشرين بالجنة لم يمنعه سواد بشرته من نور اليقين فأصبح وجهه المنير يضيء نور الشمس فعاش فى بقاع مكة وصخورها الحارة التى نالت من جسده رضى الله عنه في سيرته المليئة بالعبر والاخبار والفوائد والفرائد الكبار فهو من الكبار رضى الله تعالى عنه وارضاه والحقنا به مع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان، فكان رضى الله عنه مملوكا.

لأمية بن خلف الجمحي القرشى، فكان يجعل في عنقه حبلا ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به وهو يقول أحد، أحد، لم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله، وكان أمية يخرج في وقت الظهيرة في الرمضاء وهى الرمل الشديد الحرارة، لو وضعت عليه قطعة من اللحم لنضجت ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول أحد، أحد، فمر به أبو بكر الصديق يوما فقال يا أمية، أما تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى تعذبه؟ قال أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى فاشتراه منه وأعتقه، فأنزل الله فيه وفي أمية كما جاء فى سورة الليل ” فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى” أى بمعنى أن أميّة بن خلف ” الذى كذب وتولى، وسيجنبها الأتقى ” وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه ” الذى يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ” وذلك بما يعطيه الله فى الأخرى جزاء أعماله، ولقد تربى بلال رضى الله عنه.

وتعلم في مدرسة النبوة، ورافق النبى صلى الله عليه وسلم كثيرا، مما كان له الأثر الكبير في شخصيته، ولقد اكتشف النبي صلى الله عليه وسلم موهبته ومهارته وصوته الندى، فأمره أن يؤذن، فكان أول مؤذن في الإسلام، وقد قال عطاء الخراسانى كنت عند ابن المسيب فذكر بلال، فقال كان شحيحا على دينه، وكان يعذب في الله، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو كان عندنا شيء، ابتعنا بلال، فلقى أبو بكر الصديق العباس بن عبد المطلب رضى الله عنهما، فقال اشتر لى بلال، فاشتراه العباس، وبعث به إلى أبى بكر، فأعتقه، وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال “وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم” وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال كنا ستة نفر، فقال المشركون اطرد هؤلاء عنك، فلا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هذيل وآخران، فأنزل الله تعالى كما جاء فى سورة الأنعام ” ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه” وكان رضي الله عنه خازن رسول الله الأمين.

فعن عبدالله الهوزني قال لقيت بلال، فقلت يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان له شيء، كنت أنا الذى ألي له ذاك منذ بعثه الله عز وجل، حتى توفى، وكان إذا أتاه الإنسان المسلم، فرآه عاريا، يأمرني به، فأنطلق، فأستقرض، وأشترى البردة، فأكسوه وأطعمه، وعن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه قال سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال بعض القوم لو عرّست بنا يا رسول الله، قال “أخاف أن تناموا عن الصلاة” قال بلال أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال “يا بلال، أين ما قلت؟” قال ما ألقيت عليّ نومة مثلها قط، قال “إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة” رواه البخارى، وعن أبي سعيد الخدرى، عن بلال قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا بلال، ألقِ الله فقيرا ولا تلقه غنيا” قال قلت وكيف لى بذلك يا رسول الله؟

قال “إذا رزقت فلا تخبأ، وإذا سئلت فلا تمنع” قال، قلت وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال “هو ذاك وإلا فالنار” وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لقد أخفت في الله تعالى وما يخاف أحد، ولقد أوذيت فى الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال” وعن أبى الدرداء قال لما دخل عمر بن الخطاب رضى الله عنه الشام، سأل بلال أن يقره به، ففعل، قال وأخى أبو رويحة الذى آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينه، فنزل بداريا في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقالوا إنا قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله، فزوجوهما وكان رضي الله عنه من المجاهدين، فلقد شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له بلاء عظيم يوم بدر، فقد قتل أمية بن خلف فى ذاك اليوم.

وأمية هذا هو الذى كان يعذبه ويتابع عليه العذاب، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وقد قال الوليد فنحن نرى أن أذان أهل الشام عن أذانه يومئذ، ومن أخباره رضي الله عنه أنه نزل داريا، وهى قرية قرب دمشق، وتزوج من بني خولان من أهلها، ولم يعقب، وعن عائشة رضي الله عنها قالت لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وُعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول كل امرئ مصبح فى أهله، والموت أدنى من شراك نعله” وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول ” ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة، بواد وحولي إِذخر وجليل؟ وهل أَردن يوما مياه مجنة، وهو مكان قريب من مكة كان يقام فيه سوق، وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ وهما جبلان بمكة، فقالت عائشة رضى الله عنها فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، وصححها، وبارك لنا فى صاعها ومُدّها، وانقل حُمّاها، فاجعلها بالجُحفة”