نفحات إسلامية ومع العشر الأواخر من رمضان ” الجزء التاسع “

23

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع مع العشر الأواخر من رمضان، وقد توقفنا مع السعيد الذى وفقه الله فى رمضان إلى طاعته وعبادته، فأين هذا من محروم مخذول لم يذق حلاوة المناجاة، يستنكف عن عبادة ربه، ويستكبر عن دعاء مولاه؟ ومحروم سد على نفسه باب الرحمة واكتسى بحجب الغفلة، فإن نزع حلاوة المناجاة من القلب أشد ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي صلى الله عليه وسلم من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع؟ فإن أهل الدعاء الموفقين حين يعُجون إلى ربهم بالدعاء يعلمون أن جميع الأبواب قد توصد فى وجوههم إلا باب واحد هو باب السماء، فإنه باب مفتوح لا يغلق أبدا، فتحه من لا يرد داعيا، ولا يخيب راجيا، فهو غياث المستغيثين، وناصر المستنصرين، ومجيب الداعين، فيا أيها المجتهدون يجتمع فى هذه الأيام أوقات فاضلة، وأحوال شريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر.

كلها تجتمع في أيامكم هذه، فأين المتنافسون؟ فاجتهدوا بالدعاء، سلوا ولا تعجزوا، ولا تستبطئوا الإجابة، فيعقوب عليه السلام فقد ولده الأول ثم فقد الثانى فى أزمنة متطاولة، ما زاده ذلك بربه إلا تعلقا فقال تعالى فى وصفه قائلا فى سورة يوسف ” عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم” وهذا نبي الله زكريا عليه السلام، كبر سنه، واشتعل بالشيب رأسه، ولم يزل عظيم الرجاء في ربه، حتى قال محققا ” ولم أكن بدعائك رب شقيا” فلا تستبطئ الإجابة، فربك يحب تضرعك وصبرك ورضاك بأقداره، رضا بلا قنوط، يبتليك بالتأخير لتدفع وسواس الشيطان، وتصرف هاجس النفس الأمارة بالسوء، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم “يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي” ويجمل الدعاء وتتوافر أسباب الخير ويعظم الرجاء حين يقترن بالاعتكاف، فقد اعتكف رسول الله هذه الأيام حتى توفاه الله، فإنه عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فإن المعتكف ذكرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته، فإذا أوى الناس إلى بيوتهم وأهليهم.

ورجعوا إلى أموالهم وأولادهم لازم هذا المعتكف بيت ربه وحبس من أجله نفسه، ويقف عند أعتابه يرجو رحمته ويخشى عذابه، لا يطلق لسانه فى لغو، ولا يفتح عينه لفحش، ولا تتصنت أذنه لبذاء، سلم من الغيبة والنميمة، جانب التنابز بالألقاب والقدح في الأعراض، استغنى عن الناس وانقطع عن الأطماع، علم واستيقن أن رضا الناس غاية لا تدرك، فإن فى درس الاعتكاف انصرف المتعبد إلى التفكير في زاد الرحيل، وأسباب السلامة، السلامة من فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول المخالطة، وإن فى مدرسة الاعتكاف يتبين للعابد أن الوقت أغلى من الذهب، فلا يبذله في غير حق، ولا يشترى به ما ليس بحمد، يحفظه عن مجامع سيئة، بضاعتها الغيبة والنميمة، فإن أوقاتكم فاضلة تشغل بالدعاء والصلاة وقراءة القرآن وذكر الله وغيرها من العبادات، وتستغل فيها فرص الخير، وإن من أعظم ما يرجى فيها ويتحرى ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

فإنها ليلة خير من ألف شهر، خفي تعيينها اختبارا وابتلاء، ليتبين العاملون وينكشف المقصرون، فمن حرص على شيء جدّ في طلبه، وهان عليه ما يلقى من عظيم تعبه، فإنها ليلة تجرى فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء، وشقاء الأشقياء، فإن فيها يفرق كل أمر حكيم، ولا يهلك على الله إلا هالك، فيا ليلة القدر للعابدين اشهدى، ويا أقدام القانتين اركعى لربك واسجدى، ويا ألسنة السائلين جدى فى المسألة واجتهدى، فإن أيامكم هذه أعظم الأيام فضلا، وأكثرها أجرا، تصفو فيها لذيذ المناجاة، وتسكب فيها غزير العبرات، كم لله فيها من عتيق من النار، وكم فيها من منقطع قد وصلته توبته، المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرص الشهر وفرط فى فضل العشر وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة، ويحه ثم ويحه أدرك الشهر، ألم يُحظ بمغفرة؟ ألم ينل رحمة؟ يا بؤسه، ألم تقل له عثرة؟

ساءت خليقته وأحاطت به خطيئته، قطع شهره فى البطالة وكأنه لم يبق للصلاح عنده موضع، ولا لحب الخير فى قلبه منزع، فقد طال رقاده حين قام الناس، هذا والله غاية الإفلاس، عصى رب العالمين واتبع غير سبيل المؤمنين، أمر بالصلاة فضيعها، ووجبت عليه الزكاة فانتقصها ومنعها، دعته دواعى الخير فأعرض عنها، مسؤولياته قصّر فيها، وقصّر فيمن تحت يديه من بنين وبنات، يفرط فى مسؤولياته وقد علم أن من سُنة نبينا أنه يوقظ أهله، أما هذا فقد اشتغل بالملهيات وقطع أوقاته في الجلبة فى الأسواق والتعرض للفتن، فاتقوا الله وقوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، فإن الشقي من حرم رحمة الله، فإن المؤمن يعلم أن هذه المواسم عظيمة، والنفحات فيها كريمة ولذا فهو يغتنمها، ويرى أن من الغبن البين تضييع هذه المواسم، وتفويت هذه الأيام والفرص، ولقد كان رسول الهدى عليه الصلاة والسلام يُعطي هذه الأيام عناية خاصة ويجتهد في العمل فيها أكثر من غيرها، فإنها عشر ليال فقط تمر كطيف زائر فى المنام.

تنقضي سريعا، وتغادرنا كلمح البصر، فليكن استقصارك المدة معينا لك على اغتنامها، وتذكر أنها لن تعود إلا بعد عام كامل، لا ندرى ما الله صانع فيه، وعلى من تعود، وكلنا يعلم يقينا أن من أهل هذه العشر من لا يكون من أهلها في العام القادم، أطال الله في أعمارنا على طاعته، ولقد بدأت العشر وبدأ السباق، فأين المقتدون ؟ وأين المهتدون؟ إنها ليالى العابدين، وقرة عيون القانتين، وملتقى الخاشعين، ومحط المخبتين، ومأوى الصابرين، فيها يحلو الدعاء، ويكثر البكاء، إنها ليال معدودة وساعات محدودة، فيا حرمان من لم يذق فيها لذة المناجاة، ويا خسارة من لم يضع جبهته فيها ساجدا لله، إنها ليالى يسيرة، والعاقل يبادر الدقائق فيها، لعله يفوز بالدرجات العُلا في الجنان، وإنها ليست بجنة بل جنان، فيا نائما متى تستيقظ؟ ويا غافلا متى تنتبه؟ ويا مجتهدا اعلم أنك بحاجة إلى مزيد اجتهاد، ولا أظنك تجهل هذه الآية ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم” فإن للعشر الأواخر من رمضان عند النبي صلى الله علية وسلم.

و أصحابه أهمية خاصة ولهم فيها هدى خاص، فقد كانوا أشد ما يكونون حرصا فيها على الطاعة، والعبادة والقيام والذكر، فكان من أهم الأعمال التى كان يحرص عليها الأولون وينبغى علينا الاقتداء بهم في ذلك هو أحياء الليل فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحياء الليل وأيقظ أهله وشد مئزر” ومعنى إحياء الليل أى استغرقه بالسهر فى الصلاة والذكر و غيرهما، وعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت” لا اعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله فى ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا قط غير رمضان” فعلى هذا يكون أحياء الليل المقصود به أنه يقوم أغلب الليل، ويحتمل أنه كان يحي الليل كله كما جاء في بعض طرق الحديث، وقيام الليل فى هذا الشهر الكريم وهذه الليالي الفاضلة لاشك أنه عمل عظيم جدير بالحرص والاعتناء حتى نتعرض لرحمات الله جل شأنه، ومن الأعمال الجليلة في هذه العشر هو إيقاظ الرجل أهلة للصلاة.