نفحات إيمانية ومع رمضان شهر العزة والنصر ” الجزء الثامن “

24

 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثامن مع رمضان شهر العزة والنصر، وإنه لا نصر للأمة ولا غلبة، ولا عز لها ولا تمكين إلا بأن ينتصر أفرادها على أعدائهم الداخليين ويهزموهم، من نفوسهم الأمّارة بالسوء، وشياطين الإنس والجن الذين لا يألونهم خبالا، أما أن ينهزم المسلمون أمام هوى نفوسهم وشحها، ويستسلموا لنزغات شياطينهم ويسلموا لهم القياد، ويسقطوا فى معركة ساعة أو نصف ساعة، أو دقائق معدودة، يواجههم فيها ممثلون طائشون، ويسترقهم فيها مغنون ماجنون، فيطرحونهم أرضا يضحكون ويستهزئون بدينهم وهم سامدون، أو يخلدوا للفرش، ويقدموا النوم على الصلاة، أو تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، فما أحراهم حينئذ أن تدوم هزيمتهم، وتظهر إهانتهم، فإنه لا عزة إلا بالله، ولا نصر إلا من عنده، ولا عزة ولا نصر إلا بالكلم الطيب والعمل الصالح، فهذه هى العزة الحقيقية، والعلو التام، والسلطان القاهر، إنها الاستعلاء على شهوات النفس، وتحطيم أصنام الهوى والعادات، والانفكاك من قيود الرغبات والنزعات، والتخلص من ذل البخل. 

 

وقهر الشح، إنها خشية لله وتقوى، ومراقبة له في السر والنجوى، وكذلك من الأنتصارات فى شهر رمضان هو فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وإن القسطنطينية التي بشّر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بفتحها، فقال صلى الله عليه وسلم ” لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش” روه الإمام أحمد، ومن ذا الذى فتحها غير السلطان محمد الفاتح، الذى وضع خطة غاية فى دهاء التدبير، وروعة في الإعداد العسكرى ودقة التنفيذ؟ يوم حمل السفن برا على جذوع الشجر، ثم دحرجها وأنزلها إلى البحر خلف البيزنطيين من حيث لا يتوقعون، مما أدى إلى دحر أسطولهم وهزيمتهم، وفتح القسطنطينية التى أصبحت فيما بعد عاصمة الخلافة، وحملت اسم إسلامبول أو إستانبول، أى بمعنى مدينة السلام، ولكن كيف تم فتح القسطنطينية؟ فقد أراد محمد الفاتح منذ توليه الحكم حسم مشكلة القسطنطينية، فقد كانت وكرا للمؤامرات على الدولة العثمانية، واستعد السلطان سياسيا وعسكريا لذلك. 

 

ثم حشد الفاتح أكثر من ربع مليون جندى أحدقوا بالقسطنطينية من البر، واستمر حصار المدينة ثلاثة وخمسين يوما، تم خلالها بناء منشآت عسكرية ضخمة، واستقدام خيرة الخبراء العسكريين، ومن بينهم الصانع المجرى الشهير أوربان، والذى استطاع صنع مدافع عظيمة تقذف كرات هائلة من الحجارة والنار على أسوار القسطنطينية، وقد بذل البيزنطيون قصارى جهدهم في الدفاع عن المدينة، واستشهد عدد كبير من العثمانيين في عمليات التمهيد للفتح، وكان من بين العقبات الرئيسة أمام الجيش العثماني تلك السلسلة الضخمة التي وضعها البيزنطيون ليتحكموا بها فى مدخل القرن الذهبى، والتى لا يمكن بحال فتح المدينة إلا بتخطيها، وقد حاول العثمانيون تخطى هذه السلسلة دون جدوى، ووفق الله الفاتح لفكرة رائعة، تدل على عبقرية حربية فذة، حيث استطاع نقل سبعين سفينة بعد أن مهدت الأرض وسويت في ساعات قليلة، وتم دهن الألواح الخشبية ووضعها على الطريق تمهيدا لجر السفن عليها مسافة ثلاثة أميال. 

 

وقد تم كل هذا فى ليلة واحدة، وبعيدا عن أنظار العدو، وكانت فكرة مبتكرة وناجحة بكل المقاييس، ثم بعد الهجوم الكاسح على المدينة واستسلامها بعد مقتل الإمبراطور، وكان التسامح التام مع أهل المدينة حيث كانت لهم الحرية التامة في ممارسة شعائرهم الدينية، واختيار رؤسائهم الدينيين، ومما يدل على ذلك أن السلطان محمد الفاتح استقبل بطريرك المدينة، وتناول معه الطعام، وتحدثا في أمور شتى دينية وسياسية واجتماعية، مما أعطى هذا البطريرك انطباعا مختلفا عما كان عليه قبل لقائه السلطان الفاتح، ولقد كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبة كبيرة فى وجه انتشار الإسلام في أوروبا ولذلك فإن سقوطها يعني فتح أوروبا لدخول الإسلام بقوة وسلام أكثر من ذى قبل، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمية، وخصوصا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام، حتى عدّه المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهايةَ العصور الوسطى وبدايةَ العصور الحديثة، وفى رمضان يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، ثلاثمائة وبِضعة عشر رجلا. 

 

من الموحدين الصابِرين، يهزمون ألفا من المشركين بإذن الله، ليثبت أن النصر ليس بالعدد الكثير، ولا بالسلاح الوفير، ولكنه ثمرة إخلاص، مقرون بجميل توكل على الله، وصدق التجاء إليه، وفي رمضان جاء نصر الله، وكان فتح مكة، فجاء الحق وزهق الباطل، وتهاوت أنصاب الشرك، وطهر البيت الحرام من الرجس، وفى رمضان رجع المسلمون من غزوة تبوك بعد مواقف بذل مشهودة، ومقامات صدق رائعة، وفيه دخل المسلمون الأندلس ليقيموا فيها الإسلام أكثر من خمسة قرون، وفي رمضان فتحت عمورية استجابة لصرخة امرأة مكلومة، وفى رمضان انتصر المسلمون على التتار في معركة عين جالوت، وفيه على خلاف بين المؤرخين وقعت معركتا الزلاقة وبلاط الشهداء، ولقد كان رمضان مولدا للإسلام، ومبتدأ نصر للمسلمين، ومشرق فتح مبين، ومفتاح مجد كريم فيه انتصروا على الطغاة المعتدين، وفيه أذلوا الجبابرة المشركين، وفيه هُدم هبل ومعه أكثر من ثلاثمائة وستين صنما حول الكعبة المشرفة. 

 

وفيه بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد ليهدم العزّى فهدمها، وفيه بعث عمرو بن العاص ليهدم سواعا فهدمه، وفيه بعث سعد بن زيد ليهدم منافا فهدمه، ولله فى تقدير كل تلك الانتصارات والفتوحات الحكمة البالغة، وإنها لإشارات بالغة، ودروس للمسلمين عظيمة، تبقَى معتبرا في كل زمان ومكان، وفى كل عصر ومصر، تفهمها الأجيال لاحقا بعد سابق، وتستلهمها النفوس خلفا بعد سلف ليوقن المسلمون أن شهرهم شهر جدّ، لا شهر كسل، وشهر عطاء وإقدام، لا شهر بخل ونكوص، وشهر انتصار وعزّ، لا شهر هزيمة وذلّ، وشهر وضوح وفرقان، لا شهر مُصانعة وإدهان، فلا يذلوا ولا يداهنوا، ولا ينهزموا أمام أى عدو، ولا يقف أمامهم أى صنم، سواء كان هوى نفس، أو داعى شهوة، أو عادة شخصية، أو عرفا اجتماعيا، أو قوة مادية باهرة، أو تقدما حضاريا ساحرا، ولقد كان السلف الصالح يجتهدون فى إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقَبوله، ويخافون من رده، ألا وإن من إتقان العمل هو الحرص على الإحسان. 

 

فى الخواتيم، فكيف إذا كانت الخواتيم هى العشر المباركة التي فيها ليلة القَدر، العشر التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، والتى كان إذا دخلت شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله؟ ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمّر وشد المئزر، وما ذاك إلا لعلمه بما فى هذه العشر من الأجور المضاعفة، والحسنات المتكاثرة، فكان لهذا يجتهد فيها اجتهادا عظيما، ويتفرغ للطاعة تفرغا تاما، حتى إنه كان يعتكف فيها، فيلزم المسجد، ويقطع العلائق بالخلائق، كل هذا من أجل أن يوافق ليلة القدر، تلك الليلة المباركة، التي يعدل العمل فيها عمل ثلاث وثمانين سنة فعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط فى قبة تركية على سُدّتها حصير.