نسائم الايمان ومع وإن جنحوا للسلم ” الجزء التاسع “

3

نسائم الايمان ومع وإن جنحوا للسلم ” الجزء التاسع “
إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع مع وإن جنحوا للسلم، فمن المعلوم أن كل شيء في هذا الكون منقاد لقاعدة معينة، وسنة ثابتة، فالشمس والقمر والنجوم والأرض مسخرات تحت قاعدة مطردة، لا قبل لها بالحراك عنها والخروج عليها ولو قيد أنملة، حتى إن الإنسان نفسه إذا تدبرت شأنه تبين لك أنه مذعن لسنن الله إذعانا تاما، فلا يتنفس ولا يحس حاجته إلى الماء والغذاء والنور والحرارة إلا وفقا للتقدير الإلهي المنظم لحياته، وتنقاد لهذا التقدير جميع أعضائه، فالوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء لا تقوم بها إلا بحسب ما قرر الله لها، فهذا التقدير الشامل، الذي يستسلم له ولا ينفك عن طاعته شيء في هذا الكون، من أكبر كوكب في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض.

هو من تقدير إله ملك جليل مقتدر، فإذا كان كل شيء في السماوات وما بينهما منقادا لهذا التقدير، فإن العالم كله مطيع لذلك الملك المقتدر الذي وضعه، ومتبع لأمره، ويتبين من هذه الوجهة أن الإسلام دين الكون أجمع، لأن الإسلام معناه الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض كما عرفت آنفا، فالشمس والقمر والأرض مستسلمة، والهواء والماء والنور والظلام والحرارة مستسلمة، والشجر والحجر والأنعام مستسلمة، بل إن الإنسان الذي لا يعرف ربه ويجحد وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره، ويشرك به سواه، هو مستسلم من حيث فطرته التي فطر عليها، فإن الإسلام بمعناه العام هو يعنى الخضوع والانقياد والاستسلام، ويقال فلان أسلم أي خضع وانقاد.

أخر المشاركات

ويقال فلان مسلم أي مستسلم لأمر الله تعالى، ومنه استسلم الجنود، أي انقادوا لأوامر العدو، وبهذا المعنى جاءت كلمة الإسلام ومشتقاتها في كتب الله المنزلة التوراة والإنجيل والقرآن، فجاءت الكلمة في التوراة على هذا النحو “ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك” والآية تشير إلى ثناء ملك سدوم على الله لتمكينه إبراهيم وهو إبرام من أعدائه، وقيل أيضا “أما الرجل فيموت ويبلى الإنسان يسلم الروح فأين هو” وقيل أيضا ” وهذه سنو حياة إسماعيل مئة وسبع وثلاثون سنة وأسلم روحه و مات و انضم الى قومه” ونجد في الآيتين كيف يخضع الإنسان روحه لله عند موته، وقيل أيضا “لكنهم يصلحون الأشياء الدهرية و دعاؤهم لأجل عمل صناعتهم.

خلافا لمن يسلم نفسه إلى التأمل في شريعة العلي” وفى الآية نجد كيف يقارن الله بين الذى ينهمك في أعمال الدنيا من أطباء ومهندسين وصناع، وبين من يُسلم أى يخُضع نفسه للتفكر والتدبر في شريعة الله عز وجل، وقيل أيضا وجاءت الكلمة في الإنجيل على هذا النحو “فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح” وما الإسلام في القرآن إلا ذلك الوصف لخضوع وانقياد النفس لله رب العالمين ونجد ذلك في قول الله سبحانه وتعالى فى سورة آل عمران ” أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون” وفى الآية يخاطب الله معشر أهل الكتاب قائلا ” أفغير دين الله يبغون” أي أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون.

“وله أسلم من فى السماوات والأرض” يعنى وله خشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودية، وأقر له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والإلوهية، فقال ” طوعا وكرها” أي ولله أسلم أي انقاد وخضع من في السموات من الملائكة والأرض من سائر المخلوقات الأرضية طائعين أو مكرهين، ” وإليه يرجعون” وفوق هذا أنكم ترجعون إليه فيحاسبكم، ويجازيكم بأعمالكم، وهناك العديد من آيات القرآن التي تتحدث عن المعنى العام للإسلام ومن ذلك على سبيل المثال هو أن نبى الله يعقوب عليه السلام عندما أحس بدنو أجله سأل أبناءه، من تعبدون من بعدى؟ فقالوا كما جاء في القرآن فى سورة البقرة ” قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون”